الفقراء لا يدخلون الـ كوفي شوب

mainThumb

12-03-2008 12:00 AM

يقال.. ان حكماء الصين القديمة, عندما يغضبون على احد, يقولون له: »اذهب ولتكتب لك الحياة في اوقات مثيرة«, وبمعنى الحياة المرهقة, المضنية, والخانقة بتعقيدات ازماتها ومشاكلها!! وكأن آلهة الاغريق - كلهم - قد منحوه هذه الحياة عقابا له على الصمت وهو يتابع مشاهد الكوميديا السوداء, ولا يملك الا مصمصة الشفاه حزنا على زمن الاوقات المثيرة للدهشة!!

اوقات عبثية, واللا معقول فيها تجاوز كل الحدود!!

والوقائع التي تجري احداثها في هذه الاوقات - المثيرة بمفهوم حكماء الصين - لا يمكن حصرها.. ولكن تبقى هذه الواقعة الاخيرة, لها لونها, ورائحتها, واسرارها وعوراتها التي تدفع امامها بعشرات من علامات التعجب والاستفهام!! وهذه الواقعة - وفي اي بلد آخر غير مصر - كانت كفيلة باستنفار وتحريك - او على الاقل - اثارة هواجس وقلق كل من يهمه الامر ليس فقط على مستوى السلطة التنفيذية, ولكن على مستوى اهتمامات ورصد وتحليلات علماء الاجتماع والاقتصاد داخل دوائر الدراسات والبحوث الاجتماعية والاقتصادية..

والواقعة - وهي ليست الاولى بالطبع خلال عامين - لكنها بهذه الصورة واسرارها وعوراتها واجوائها, ومن زاوية الخلل والتشققات في البنيان الاجتماعي والاقتصادي, تدخل في نطاق دراما الفساد والمفسدين!! وهي في توقيتها مع مطالب (زيادة الرواتب) للهروب من زحف الفقر ونار الاسعار, ترسم احدى صور الكوميديا السوداء!!

وتقول الواقعة:

ان شابا لا يزيد عمره على 35 عاما كان منتسبا الى الطبقة الوسطى او طبقة المهمشين ومحدودي الدخل, قد نجح في اقتناص اكثر من 2 مليار جنيه لتوظيفها بنظام المرابحة, والمحصلة ليست مليونا او مئة او حتى ثلاثمئة, ولكن عشرات الملايين جمعها الشاب الهارب بمساندة ودعم كبار المسؤولين وعدد من رجال الاعمال المعروفين, على مدى سبع سنوات, ومن خلال »كوفي شوب« يمتلكه كان ملتقى لابناء كبار المسؤولين وسيدات ورجال الأعمال و»اولاد الذوات« والذين لا يعرفون شيئا عن الغالبية العظمى من الشعب المصري من الفقراء ولا يعانون - بالطبع - مثلهم, ومن طابور الرغيف المدعم, الى البحث عن زيادة هزيلة في الراتب!! والبلاغات المقدمة في قضية توظيف الاموال تقول ان ضحايا الشاب الهارب وبمساعدة نجل وزير حالي هم من اصحاب الشركات الكبرى, وابناء الوزراء والمسؤولين, وسيدات اعمال احداهن دفعت له 96 مليون جنيه, واخرى صاحبة شركة سياحة دفعت 8 ملايين جنيه, ورجل اعمال آخر اعطاه 400 مليون جنيه!!

وقد تبدو التفاصيل لا لزوم لها.. بعد ان تكررت الواقعة التي سبقتها عمليات توظيف اموال اخرى بلغ حجمها 250 مليون جنيه وكان من بين الضحايا »موظفون« المفروض انهم لا يمتلكون الا رواتبهم المتواضعة, وكانت سمة التجارة الغالبة في هذه الحالات غريبة وهي »كروت الشحن«!! وحتى احدث قصة وبطلها ضابط شرطة وزوجته استوليا على 25 مليون جنيه بقصد توظيفها في شرائط الكاسيت والعاب الفيديو!!

وهذه الملايين الطائرة في بعض الوقائع »الصغيرة« لا تقارن بعشرات الملايين في الواقعة الكبرى.. ثم ان هذه العمليات في مجملها لا تقارن بظاهرة شركات توظيف الاموال في الثمانينيات والتي كانت لها مقار وشركات واصول, وبعضها كانت له استثمارات خدمية, وفي زمن كان الانفلات الاقتصادي المشوه يطيح بمستقبل البلد.. وقد وضعت الحكومة يدها على هذه الاصول, لرد الاموال للمودعين بالتقسيط الممل وطويل الاجل, والذي انتهى معه اجل بعض المودعين, وكانت غالبيتهم من المصريين العاملين بالدول العربية واسرهم!!

اذن.. لا وجه للمقارنة مع مضاربات اشخاص اشبه بلعبة قمار وبعشرات الملايين, ومع كل ما يقال من تصريحات وارقام حول مناخ الاستثمار الجاذب في مصر, وعن التيسيرات والتسهيلات التي حققت رقما قياسيا في حجم الاستثمار, وفضلا عن كل ما يقال ايضا عن حركة النشاط الاقتصادي, واقتراب نسبة النمو من 7%!!

والواقعة الاخيرة تدفع امامها بتساؤلات حائرة, لا بد ان نبحث لها عن جواب.. ولا بد ان يكون بحثنا جادا... ولا بد ان يكون منهاجنا موضوعيا... لأن المسألة اكبر - وربما اخطر - من مجرد عملية توظيف اموال كما يراها البعض!!.

مثلا... وبصرف النظر عن نسبة الارباح الشهرية في عمليات »الكوفي شوب« وكانت تتراوح بين 15.7% وبصرف النظر عن ذلك النشاط مشروعا كان او غير مشروع, سريا او اسود, فلن يحقق هذه النسبة شهريا وباستثناء - المخدرات والسلاح - فان هذه الاغراءات غير المنطقية هي التي دفعت وحركت كل هذه الملايين الى (مصرف شخصي).. في هذه الحالة فان الثقة في شخص - وهي اقرب للمراهنة - اكثر امانا من الايداع في البنوك التي قد تكشف عورات حجم الايداع بالملايين!! وان البنوك بالنسبة للبعض هي مصدر للاقتراض المتاح لهم بسهولة ويسر, اما التصرف في اموال القروض فهي لعبة شطارة!!!.

ومثلا: وبالمنطق المجرد, فان سيدة الاعمال او رجل الاعمال - لا فرق - والذي لديه سيولة نقدية بالملايين, لماذا لم يستثمرها في مشروعاته او شركاته, بالتوسع او بتنوع انشطته?! وهل يعني ذلك ان احوال السوق والبلد لا تدعو للاطمئنان?! ام ان مشروعاته خاسرة لا تحقق عائدا مجزيا, ولو كان الامر هكذا فمن اين تراكمت السيولة النقدية وبالملايين?! وهل هناك اسباب اخرى تتعلق بالاستثمار في الوطن?! وما هي الاغراءات التي دفعتهم للثقة في شخص اكبر من الثقة في استثمار تلك الاموال في دائرة نشاطهم الاقتصادي او التجاري?!.

ومثلا: هل نحن امام نوع جديد من ثقافة ادارة واستثمار الاموال?! ام ان هذه الواقعة قد كشفت - كما يقولون - عن مساندة ودعم بعض رجال الاعمال المرتبطين بالسلطة, ونجوم البيزنس الذين انخرطوا في السياسة مؤخرا?! وهكذا اسئلة حائرة, وتساؤلات فوق بعضها.. وهي امور تستحق ان نفكر فيها ونطيل التفكير!?!.

أظن - والظن عند العرب بمعنى اليقين - ان هناك اسرارا وعورات تحيط بالمشهد كله!! وان كان الامر المثير للدهشة مع حركة الملايين الطائرة ان احدى السيدات تتحدث عن »بضع« ملايين ضاعت منها وبهدوء عجيب وكأنها تتحدث عن »مصروف جيب« مثلا!! ويقال ان عاملا في شركة سياحة تقاضى عمولة نصف مليون جنية نظير عملية واحدة باستقطاب احد الضحايا!!.

عموما... هناك اسئلة كثيرة ما زالت تنتظر جوابا لم نعثر عليها بعد!!

وهذه بعض ملامح حكايات الملايين في بلد يعاني مشكلة التفاوت الطبقي الفادح, ومشكلة الفقر, ومشكلة البطالة... والتوازن الاقتصادي والاجتماعي مفقود بالطبع, والتقديرات الاقتصادية المتاحة تقول ان نصيب افقر 20% من سكان مصر لم يزد على 8% من الدخل القومي, بينما بلغ نصيب اغنى 20% من السكان 45% من الدخل القومي - اي ما يقرب من نصف الدخل الاجمالي - اما 40% من فقراء مصر لم يزد نصيبهم من الدخل الاجمالي على 20%!!!

ولعلي اضيف الى هذه السطور ملاحظة اخرى اراها ضرورية, وهي ان هناك قضية تستوعب ما عداها من قضايا اخرى.. وهذه القضية ما زالت بالقطع في موقعها المركزي من دائرة الحوار النشط داخل الشارع المصري.. وهي قضية الفساد... وصحيح لم يكن الاسراف في الفساد قضية محلية, وانما تكاد تكون ظاهرة عالمية... لكن الفساد المحلي قد تجاوز ابجديات الرشاوى والمحسوبية والوساطات, ثم تعدى مراحل استخدام النفوذ الى تصنيفات عديدة, ثم تخطى حدود التداخل بين المصالح الخاصة والعامة, واصبح مثل تلك العرائس الروسية الخشبية, اذا ما فتحت احداها وجدت اخرى بداخلها دائما!!.

والشاهد ان هذا المناخ العام الذي نعيشه - ومن وجهة نظر الدكتور فاروق الباز الخبير العالمي في ابحاث الفضاء - هو وراء ما حدث ويحدث لمصر, وان الامور لن تنصلح من دون تغيير هذا المناخ الذي جعل البلد تعاني من مشاكل ومعضلات كبرى ابرزها عدم احترام العمل الجاد!! والعالم الكبير د. الباز وهو يتحدث عن الحالة التي تعيشها مصر الآن, لم يكن يعلم وقتها بالملايين الطائرة في »الكوفي شوب« او الملايين الزاحفة وراء اوهام التجارة في كروت الشحن والعاب الفيديو!! وان ما وراء هذه القصص وغيرها من وقائع الفساد الكبرى, جانب آخر وجده شاعر العرب »المتنبي« عنوانا لدراما الفساد, وبمقدار ما تقول به كلماته:

(نامت نواطير مصر عن ثعالبها.. وقد بشمنا وما تفنى العناقيد).