سلوكيات الناس اليومية ترسم مستقبل الإعلام العربي

mainThumb

11-02-2008 12:00 AM

لزمن طويل جدا لا يتذكر أحد متى، بدأ تعود الإنسان العربي على نقد وسائل الإعلام واهتماماتها بحدة شديدة، نقد للصحف ثم الإذاعات ثم المحطات الفضائية والمجلات ومواقع الإنترنت، وهو نقد عام ليس له منطق معين بقدر ما يعكس حالة تذمر ورفض مثالي، وهو كذلك نقد لا ينعكس على السلوك فالناس في العالم العربي لا يزدادون إلا استهلاكا لوسائل الإعلام التي يشتمونها كل يوم.
ونقد الإعلام أمر في منتهى الحيوية ويجب أن يكون نشطا وعلميا ومستمرا على الدوام في أي مجتمع يطمح لتطوير الإعلام، الذي يعتبر الأداة الرئيسية في بناء قيم وثقافة الأمة ومختلف أنماط حياتها.

في السابق كان النقد سلبيا، نقد من لا حيلة له، لأن الإعلام في الغالب كان ينتمي لمؤسسات رسمية يشعر معها الجمهور بأنه لا حول له ولا قوة، وهو شعور نشأ لما بدأت بعض الحكومات العربية في استخدام الإعلام في الدعاية المكثفة لمغامراتها الحربية والسياسية.

ولكن الأمر اختلف تماما اليوم، وصارت معظم وسائل الإعلام تجارية، تبحث عن رضا المستهلك حتى تحقق أرباحها وتستمر في مسيرتها. كثيرا ما يكتب بعض الناس منتقدين البعد التجاري في الإعلام دون أن يطرحوا خيارات أخرى، ولكن في الحقيقة هذا البعد التجاري هو الذي يضع مستقبل الإعلام في يد الناس ويمنحهم القدرة الهائلة في التأثير فيه.

وسائل الإعلام العربية اليوم ترصد مدى إقبال القراء والمشاهدين عليها بشكل متقدم لم يحصل من قبل، فهناك دراسات شهرية تقدم معلومات مفصلة عما يشاهده الجمهور العربي من خلال عينات تتضمن آلاف الأشخاص من الجمهور، ويتم إنجازها بحرفية لا بأس بها، وهناك دراسات لتوزيع الصحف وأنماط قراءتها، وهناك دراسات متعمقة لسلوك الأشخاص الذين يتصفحون مواقع الإنترنت، وهذه المعلومات المتوافرة في السوق بكثافة تم إعدادها في الغالب لعيون المعلن الذي يريد أن يتأكد من أن إعلانه الذي دفع ثمنه غاليا يحقق أفضل عائد ممكن.

المعلنون كذلك صارت لديهم وسائل متقدمة لقياس آثار الإعلان المباشرة، وهذا يجعلهم عبر الزمن يعرفون مدى نجاح وسيلة إعلامية معينة في تحقيق نتائج لإعلاناتهم التي يخاطبون بها شريحة من الناس، ولهذا تفصيلات كثيرة قد أتحدث عنها في مقال قادم.

لكن النتيجة النهائية لكل هذا أن الجمهور صار له دور يتزايد يوميا في التأثير في وسائل الإعلام دون أن يعلم. عندما يقبل الجمهور على نوع معين من البرامج أو الصحف أو المجلات فهو يقدم إشارة لوسائل الإعلام أن تستمر في طريقها وتزيد من استثماراتها في هذا المجال، والعكس صحيح تماما.

الجمهور صار يتحمل جزءا من المسؤولية عما يعرض على وسائل الإعلام وعما تقوم به. إذا سألك شخص لماذا لا نرى قنوات تعليمية، فقل له لأن الجمهور لا يريدها ولو أرادها لاستثمر فيها رجال الأعمال وأقبل عليها المعلنون وصارت عيوننا لا ترى إلا برامج تعليمية.

هذا بالطبع لا يعني الاستسلام لرغبات الجماهير، فمن المعتاد أن تكون الجموع الحاشدة ساعية وراء الترفيه بأنواعه ولا تبالي بالمصالح العليا للمجتمع، وهنا يأتي دور النخبة التي تحاول أن تنشر الوعي في أوساط الجمهور عن أهمية دعم نوع آخر من الإعلام ونوع آخر من القيم، ويرسمون ويدعمون حملات توعوية تشرح للناس لماذا يجب أن يغيروا أنماط استهلاكهم للإعلام.

وفي حالة كان من الصعب جذب المعلن لتمويل وسيلة إعلامية متخصصة معينة، فهناك أيضا أساليب أخرى لتمويلها مثل التبرع لها. في أمريكا تعيش أكبر إذاعة فيها، وهي الإذاعة الوطنية العامة (NPR) على تبرعات الناس، والأمر نفسه ينطبق على محطة تلفزيون PBS العامة والتعليمية، كما تعيش كثير من المجلات المتخصصة على دخل الاشتراكات مرتفعة الثمن.

هناك نموذج أخير، وهو الضرائب التي انتشرت كأسلوب لتمويل المؤسسات الإعلامية غير الربحية في الغرب، وهذه الضرائب لا تقرر في تلك المجتمعات إلا بموافقة الأغلبية عليها، وهذا يشمل على سبيل المثال قنوات BBC البريطانية.

المحصلة النهائية، الإعلام يحتاج لكثير من المال حتى يستطيع إنتاج المادة الإعلامية، وهذا المال يأتي من المعلن الذي يريد مخاطبة الجمهور الذي يستهلك وسيلة الإعلان، أو يأتي من النخبة التي تدعم الرسالة الإعلامية، أو يأتي من تبرعات الجمهور واشتراكاتهم وضرائبهم. الإعلام في النهاية وسيلة تجارية تبحث عن الربح كما تبحث عنه كل مؤسسة تجارية في الدنيا، ولا يمكننا تخيل إعلام مميز دون وجود التمويل الكافي له.

مستقبل الإعلام العربي في يد الجمهور. إذا أردت إعلاما عربيا أكثر رقيا ونضجا وذكاء وتخصصا فأقنع الجمهور بأهمية ذلك. الجمهور يمكنه أيضا أن يقرر ما إذا كان الإعلام سيكون تافها غبيا باحثا عن المتعة السريعة.

أرقام المستهلكين وجهود النخب هي التي ترسم مستقبلنا..