معضلة التخلص من التطرف

معضلة التخلص من التطرف

19-07-2016 09:12 AM

في فرنسا وألمانيا وعدد من الدول الأوروبية يعتبر الترويج لفكر النازية جريمة يعاقب عليها القانون، والسبب ليس لأن الفكر المعارض محرم فيها إنما لأن هذا الفكر تحديدًا يهدد السلم الاجتماعي ويثير النعرات. وهناك من يرى أن الترويج للفكر الإسلامي المتطرف، مثل «داعش» و«القاعدة»، لا يقل خطرًا عن النازية، ولا بد من تصنيفه في خانة الأفكار المحرم تسويقها، فلا تباع كتبه، ولا تدرس مناهجه، ولا يسمح له بأي نشاطات مجتمعية أو دينية. لكن بين المفكرين والسياسيين هناك من يخشى من الخلط بين الفكر الإسلامي المتطرف والإسلام كديانة، ولا ننسى أن المسلمين هم أنفسهم الضحية الأولى في حرب التطرف والمتطرفين.
 
 
 
السؤال كيف يمكن التفريق بين الفكر المتطرف الذي يؤدي بصاحبه إلى ركوب سيارة ودهس الناس لأنه يعتبرهم كفارًا، والإسلام، دين المليار إنسان في العالم؟ من الناحية النظرية الفارق واضح، ويمكن اعتبار كل من يدرس العقائد المكفرة الداعية لإيذاء من لا يؤمن بها، أو لا يطبقها، متطرفًا تجب معاقبته. أما عمليًا فليس معقولاً اعتبار من لم يرتكب جريمة بعد مجرمًا تجوز معاقبته.
وفي كل مرة ترتكب جريمة بشعة تزداد الضغوط على السياسيين والمشرعين بوضع قوانين تجيز ملاحقة المتطرفين من المسلمين، والحد من بناء المدارس والمساجد. وكما حدث في المرة الماضية، أيد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قرار إسقاط الجنسية أو منعها عن المتورطين في الأعمال الإرهابية ومن له علاقة بهم، لكنه تراجع لاحقًا بعد قراءة الوضع والقوانين. ومن المتوقع أن تعلو الأصوات من جديد التي تطالب بملاحقة المتطرفين بدلاً من انتظار جرائمهم ثم القبض عليهم، ولن يستطيع السياسيون الرفض، خاصة بعد وقوع جرائم إرهابية بشعة كما شاهد العالم جثث المارة التي دهسها الإرهابي في مدينة نيس الفرنسية، وهي ليست الأولى من هذا النوع، فقد سبقه إلى هذا السلاح إرهابي آخر دهس بسيارته أحد عشر من المارة في مدينة ديجون الفرنسية قبل عامين.
 
 
 
 
في مجتمع يتلظى بالإرهاب، كفرنسا اليوم، من الطبيعي أن ترتفع المشاعر الغاضبة، وخاصة من الغالبية التي لا تفرق بين المسلمين والمتطرفين منهم، ولن يقبلوا بأقل من سن قوانين تلاحق التطرّف بشكل عام. السؤال المحير، كيف يمكن التمييز بين المسموح والممنوع تدريسه والوعظ به بين المسلمين من أجل عزل المتطرفين وأفكارهم وتحصين الأغلبية المسلمة وحماية كل المجتمع؟
هنا يتطلب الأمر من المفكرين الإسلاميين أن يقدموا مشروعهم، إسلامًا يدعو للسلام ويقبل التعايش يتم تأصيله من النصوص المقدسة في القرآن والحديث.
 
 
 
هناك الكثير من الذين ألفوا كتبًا وقدموا دراسات عن الاعتدال في الإسلام، لكن هذه الأعمال لم تتحول إلى مشاريع تعليمية وثقافية ملزمة للجميع ضمن المناهج الأساسية. السبب في إهمالها، وفشل دمجها مع أنظمة التعليم العامة، أنه لا يوجد مشروع للتغيير والتصحيح. كل ما تم في السنوات الماضية تحت عنوان إصلاح مناهج التعليم ومنابر المساجد منع ما يدعو بوضوح للتطرف والعداء للآخرين. إنما لم يقدم لهم الطرح الإسلامي البديل الذي يحصنهم ضد الفكر المتطرف الذي يروج له خارج المسجد والمدرسة الرسميين. في الإسلام يفاخر أهله بأن الدين المعاملة، والإسلام بالفعل يعظ داعيًا للأخلاق الحميدة، من الرحمة بالضعفاء، والرفق بالناس، والتيسير على المعسرين، وتعظيم خطورة القتل، بما في ذلك الطيور والحيوانات إلا لحاجة، وينهى عن الظلم والغدر. إنما، وخلال صعود الفكر الديني المتطرف، بعد سقوط الفكر القومي المتطرف ووصول الخميني للحكم في إيران، قام منظرو الأحزاب الدينية بتسويق مفاهيم الصدام مع غير المسلمين، وتكفير المسلمين المعتدلين ضمن إرهاب فكري مماثل للنازية والشيوعية. خلال ثلاثين عامًا نجحوا في بناء منهج متطرف غلب على التفسير المعتدل للإسلام، ونتائجه نراها بين تنظيمات إرهابية أو جماهير تصدق بأن المتطرفين يعبرون عن الإسلام الصحيح ويدافعون عنه.
 
 
 
بعد جريمة نيس الوحشية، وما قد يليها من جرائم أخرى ترتكب لاحقًا، فإن الثمن سيدفعه ملايين المسلمين الأبرياء الذين سيتم التضييق عليهم ما دام لا أحد يتقدم لتبيان الفارق بين المسلمين والمتطرفين وتقسيمهم قبل أن يُشملوا ظلمًا بالتصنيف.
 
 
 
نقلاً عن "الشرق الأوسط"
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

توضيح للمواطنين بشأن إغلاق تلفريك عجلون الثلاثاء

وفد نيابي يبحث في الرياض تعزيز الاستثمارات الأردنية السعودية

حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث

53 ألف مدفأة مخالفة .. ومساءلة قانونية لمن يبيع الأنواع الممنوعة

ترامب يوضح سبب ارتفاع أسعار البنزين

طيران الإمارات: تعليق فوري لعمليات مشاركة الرموز إلى تل أبيب حتى إشعار آخر

تصاعد الأزمة بين حسام حسن والدرندلي في منتخب مصر

افتتاح العام الدراسي بروضة "الأقصى" بمخيم برج البراجنة في بيروت

500 مسؤول ودبلوماسي أوروبي يطالبون بتحرك عاجل ضد مشروع "E1" الاستيطاني

حملة أمنية ومائية تحبط محاولة حفر بئر غير مرخصة بمعان

الجامعة العربية تدين التوغل الإسرائيلي في سوريا

رفع الاستعداد القتالي للجيش المصري .. تحركات جديدة لمواجهة توترات الإقليم

تحطم طائرة عسكرية نيجيرية على متنها 32 شخصا

زراعة اربد: 48 معصرة زيتون تجهز لاستقبال الموسم

قرار جديد من المواصفات والمقاييس بشأن فحص المدافئ قبل الشتاء

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي

بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين