عتبات العلم ومرافئ الانتظار

عتبات العلم ومرافئ الانتظار

15-08-2026 01:04 PM

​على عتبات العلم الطويلة، حيث تُحفر الحروف بدموع السهر وعرق التعب، يزرع الباحث زهرة شبابه، ويمضي العمر بين طيات الكتب وفي محاريب الفكر ، نتحمل مرارة الصعب ونختار وعورة الدرب، متوسدين الأمل الكبير بيوم نرتدي فيه وسام الدكتوراه، لنفتح بمفاتيح المعرفة أبواب المستقبل، ونضيء بالأسئلة المضيئة عتمة الوطن.

​لكن، يا لمرارة الخذلان حين يُصاب الأمل في مقتبله!

​تخيل ذلك الشعور العارم بالفخر حين يزفك العالم دكتوراً، وكيف يتحول فجأة إلى خيبة ثقيلة وأنت تصطدم بشروط "مثالية" وقيود إدارية مصممة بعناية لا لتبني الكفاءات بل لتقصيها!
يقفون لك بالمرصاد بمعايير جامدة، وكأن تفوقك وسنوات كفاحك أصبحت عبئاً لا ميزة. تتبخر فرحة الإنجاز على أبواب الجامعات المغلقة، لتجد نفسك محاصراً بجدران معايير وضعت في أبراج عاجية لا تراعي واقعاً ولا تنصف مجتهداً.

​والأدهى من ذلك، والأكثر إيلاماً للروح، أن تراهم يرفعون شعار الأولوية المطلقة لخريجي الجامعات الأجنبية، ويكادون يحصرون التعيين في سياج تقدير "الامتياز" وحده؛ وكأن المؤسسات الوطنية التي منحتنا شهاداتنا واعتمدت برامجنا قد باتت في نظرهم قاصرة!
ينسون أو يتناسون أن هذه الجامعات الوطنية ذاتها هي التي وضعت خططها، وأجازت مناهجها، وأقرت أن من يتخرج منها –سواء بتقدير مقبول أو جيد أو أعلى– هو خريج مؤهل وقادر على العطاء وحمل الأمانة، ليأتي نظام التعيين اليوم ويكفر بما أقرته تلك المؤسسات، مغلقاً الأبواب في وجوه أبناء الوطن الذين لم يملكوا رفاهية السفر والدراسة خارج الحدود.

​ألا ومن أبسط حقوق الخريج الذي نهل العلم من معين جامعاتنا الوطنية أن يحظى بفرصة عمل في رحابها أولاً؛ وفاءً لها، وردّاً لجميل العرفان، وتجسيداً حقيقياً لمعنى الانتماء والولاء لمؤسسة أعدته ورعته ليقف اليوم سنداً ورافداً لمسيرتها التعليمية!
​حين تُطلق إعلانات التعيين، يجب أن يكون جوهرها الأسمى وهدفها الوطني الأول هو القضاء على شبح البطالة، ومدّ يد العون لمن لا يملك عملاً قط؛ فالتوظيف ليس مجرد ملء لشواغر إدارية، بل هو أداة أساسية لتوزيع التنمية البشرية بعدالة، وتحقيق حق العمل لكل مواطن سعى واجتهد، لا أن تذهب الفرص لمن استقروا في وظائفهم بينما يكتوي العاطلون بنار الانتظار.
​يزيد الطين بلّة، ويضاعف من غصة الروح، ذلك الشبح الخفي الحاضر في كواليس الاختيار؛ حيث تتسلل الواسطة والمحسوبية لتعبث بنزاهة التعيينات، وتغتال بدم بارد حقوق المستحقين الأكفاء. فترى الأبواب تفتح لمن لا يستحق، وتُغلق في وجه من تعب واجتهد، في اعتداء صارخ على تكافؤ الفرص، وفي طعنة نجلاء للعدالة التي أقسم الجميع على صونها.

​ثم يطالعنا قيد آخر يضيق الخناق أكثر؛ شرط اختبارات اللغة الأجنبية كالتوفل أو الآيلتس، وكأن مقياس العلم والمعرفة محصور في لغة واحدة، متجاهلين أن الكثير من الأكاديميين يتقنون لغات عالمية أخرى تفتح آفاقاً فكرية واسعة، ومتغافلين عن الركيزة الأساسية وهويتنا الأبديّة: إتقان اللغة العربية لغة الدولة الأم، التي بها نُدرس، ونؤلف، ونحفظ جوهر الهوية والانتماء.

​ويأتي سيف شرط العمر ليجهز على ما تبقى من نبض في الأمل، فيحرم قامات نضجت بالعلم والخبرة من حقهم المشروع في العطاء، وكأن سنّ الإنسان جريمة تُعاقب عليها الكفاءة، متجاوزين حقيقة أن العطاء الأكاديمي والنضج الفكري لا ينضج إلا باكتحال العينين بطول السنين وتراكم المعرفة.

​ننافس اليوم من استقروا في وظائفهم، ونرتطم بشروط صُممت لمعادلات أخرى، حتى فرصة تدريس بسيطة بنظام الساعات صارت كالمستحيل، أو كأنها امتياز يُمنن به صاحب الحق وسط شروط تفصيلية تتسابق لإحباط الروح.
​نحن لا نطلب استثناءً ولا نهادن الجودة، بل نرجو عدالة تُنصف الكفاءات الحقيقية، وتكسر قيود تلك "المثالية الزائفة" وتلك المفاضلات المجحفة التي تُبقي العقول معطلة في قاعات الانتظار.

​فلا تجعلوا دروب العلم التي اخترناها بعزم الصادقين، تنتهي بباب مغلق، ولا تتركوا أملنا الغض يذبل على حافة شروط متناقضة...

امنحونا فرصة واحدة فقط، لنثبت أن كل هذا التعب لم يكن هدراً، وأن في صدورنا وطناً ننتظر اللحظة لنخدمه بصدق الانتماء وعمق المعرفة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

رسالة انتخابية من الحدود الشمالية .. نتنياهو يتعهد بتدمير إيران

غارات إسرائيلية تستهدف بلدات بالجنوب اللبناني وتحليق حربي في أجواء البقاع

مجلس الوزراء يقر استراتيجية توطين الطائرات المسيرة

الخدمات الطبية والجامعة الهاشمية توقعان ملحق اتفاقية تعاون تدريبي وأكاديمي

خبراء: الذكاء الاصطناعي أسهم بتحسين جودة الحياة اليومية للإنسان

اتفاقية دعم تشغيلي لإطلاق خط جوي مباشر بين موسكو والعقبة

انخفاض جديد على أسعار الذهب في السوق المحلي

متى يعود ستاد الحسن؟ .. وزارة الشباب تحدد المدة المتبقية

زراعة إربد تعلن فعاليات مهرجان الرمان الـ 18

المخابز الأردنية المتنقلة في غزة تنتج أكثر من 69 مليون رغيف خبز

العقبة تستعد لختام سباق هيئة أجيال السلام في آيلة

وزارة الثقافة تنظم "يوما ثقافيا شاملا" في مدرسة الزميلة الثانوية

Orange Money تتصدر المحافظ الإلكترونية في الأردن بإتاحة خدمات "ويسترن يونيون" بالتعاون مع مشربش

الدكتور أحمد الفاعوري يؤدي اليمين القانونية أمام الملك محافظا لجرش

موجودات صندوق استثمار أموال الضمان ترتفع إلى 20.1 مليار دينار بنمو 8 بالمئة

خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش

عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر

خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل

ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء

اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل

لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟

تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة

عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد

عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن