مسارات بديلة للوساطات الدولية في الحرب السودانية

مسارات بديلة للوساطات الدولية في الحرب السودانية

21-09-2026 04:24 AM

تُعرّف «المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام» نفسها بأنهم مجموعة من الشباب السودانيين الفاعلين في غرف الطوارئ ولجان المقاومة والتنظيمات القاعدية المساهمة في ثورة ديسمبر، مؤمنين بمبادئ ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018، ويسعون عبر الحوار مع مختلف الفاعلين المدنيين والعسكريين السودانيين من أجل العمل الجاد لبناء السلام والوصول إلى مصالحة وطنية عبر خلق نموذج سوداني للعدالة الانتقالية يقضي على ظاهرة الإفلات من العقاب، كما تنأى فيه المؤسسة العسكرية بعيدًا عن العمل السياسي والاقتصاد، وتخضع لعملية إصلاح حقيقي تمكن من القضاء على ظاهرة تعدد الجيوش والميليشيات والوصول لجيش قومي مهني موحد، مما يمهد لبناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة ذات سيادة.
أدارت «المبادرة» نقاشا داخليا مكثفا وسط عضويتها، تناول ملامح السياق الإنساني والعسكري لحرب الخامس من عشر أبريل/نيسان 2023 في السودان منذ بدء الصراع. وتناول النقاش أيضا التحالفات العسكرية المتقلبة منذ بدء الحرب، مع استعراض تفكك وتباين التحالفات المدنية السياسية ومساراتها المختلفة. كما تناول تقييم تأثير وفعالية وأهداف الوساطات الدولية، منذ منبر جدة وحتى اليوم، لوقف الحرب، بالإضافة إلى فحص دوافع دول الإقليم والدول الفاعلة الأخرى وتأثيرها على مسارات الوساطات. وإثر هذه المناقشات، توصلت «المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام» إلى فرضية تقول إن المعضلة الرئيسية الآن هي فشل جهود الوساطات الدولية في إيقاف الحرب نتيجة تضارب مصالح الدول المنخرطة في الصراع، مما أفقد تلك الوساطات الحياد والجدية اللازمين، وحولها إلى ساحة تنافس جيوسياسي لإدارة النزاع وتثبيت النفوذ الإقليمي للدول المنخرطة. وفي ظل الاعتماد المفرط على الفاعلين الدوليين لحل الأزمة في السودان، تظهر ضرورة إعادة تعريف الوساطة عبر تبني «الملكية الوطنية» التي تجعل السودانيين هم أساس تصميم العمليات التفاوضية، ليكون إنهاء الحرب عبر مسار سوداني يحدد الدور الخارجي بوضوح ويحد من سلبياته. وعلى ضوء هذه الفرضية، أجرت «المبادرة» مجموعة من المقابلات، شبه المهيكلة، مع عينة مقصودة من الخبراء والفاعلين السودانين من مختلف المواقع والتوجهات السياسية، تمحورت حول سؤالين أساسيين وهما: إمكانية وجدوى إنشاء منبر سوداني للوساطة، وكيفية إنشائه. وبعد التحليل الموضوعي لإجابات العينة ولمحاور النقاش الداخلي والفرضية المستنتجة، تقدمت «المبادرة» بتوصيات حول الفعل السياسي المنظم فيما يتعلق بآليات الوساطات والملكية الوطنية. وتضمنت التوصيات شروط «سودنة» وشرعية منبر الوساطة السوداني وأولويات العمل وآلية المشاركة والتحديات التي قد تواجه مبادرة سودانية خالصة لحل الأزمة في السودان مع طرح الهياكل والآليات المقترحة للعمل على المنبر.

إن المعضلة الرئيسية الآن هي فشل جهود الوساطات الدولية في إيقاف الحرب نتيجة تضارب مصالح الدول المنخرطة في الصراع

وحول تحديات التدخل الدولي وإشكالية الاعتماد على الشرعية الخارجية، تقول «المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام» إن فشل الوساطات الخارجية لا يعود إلى خلل في العمليات الإجرائية وضعف إرادة الأطراف المتصارعة فحسب، وإنما يرجع أيضًا لتفاعلات الأطراف الخارجية وآليات الاقتصاد السياسي للحرب؛ إذ غالبًا ما ترتبط مصالح الدول المنخرطة مع شبكات اقتصادية عابرة للحدود تقتات على استمرار الصراع. وهذا الارتباط البنيوي يحوّل الوساطة، بالضرورة، إلى أداة لخدمة مصالح جيواقتصادية ويقتل فرصها في إنهاء المعاناة الإنسانية. أما المنظمات العالمية والوطنية، والتي يأتي ذكرها في سياقات عديدة متعلقة بالوساطة في الحرب، مما يشير للارتباط الوثيق بين هذه المنظمات والمجال السياسي في السودان، فإنها أيضا تساهم في تعزيز الاستقطاب، وذلك لارتباطها بمراكز الهيمنة الخارجية ذاتها. وهذا بالطبع، ينعكس على سياسات تلك المنظمات في تعزيز ثقافة «الفصل وعدم الحوار» وإن كان بشكل غير مقصود، كما في الفصل بين التيارات الإسلامية وبقية القوى المدنية في عمليات الحوار مما يعزز الانقسام ويمنع تبادل وجهات النظر. لكن، في السياق ذاته ، تؤكد «المبادرة» وتبرز أهمية منظمات المجتمع المدني في دعم الحوار وفتح مساحات للنقاش، والتنظير حول الملكية الوطنية للعملية، ولدعم الترتيبات الفنية والإجراءات اللوجستية. والأهمية هنا تأتي من حقيقة غياب قدرة السودانيين على القيام بالإجراءات اللوجستية، بحسب العينة التي تمت معها المقابلات. وهذا من أهم الأسباب التي قد تُثني ضرورة العمل على منبر هجين، بعناصر وساطة محلية ودولية، خصوصا مع التحديات الأمنية المتعلقة بعمل منبر الوساطة من داخل السودان، وضمان مشاركة جميع الأطراف، وإشكالية غياب التمويل، وعدم توفر أدوات الضغط المحلية.
وعن الدروس المستفادة، فإن مبادرات الوساطة الدولية، يتم انتقادها على أنها لا تحدد مخرجات العملية التفاوضية بدقة، وأنها تفتقر إلى التفكير الواقعي فيما يتعلق بالأزمة. وعلى ذات المنوال، يتم توجيه النقد إلى اقتراحات الهدن السابقة باعتبارها لا توضح ما الذي ستفضي إليه، وبالتالي فهي لا تكون ذات جدوى سوى إعطاء الأطراف المتحاربة الوقت لإعادة التعبئة. وفي مقابل هذا الفشل الخارجي، تشير «المبادرة» إلى بروز فرص في أن السودانيين، حال التفافهم على المطالب، هم الذين سيجعلون الحل ممكنا في النهاية، لأن جميع القوى الفاعلة تعتمد على تصدير شرعيتها بتمثيل السودانيين ومطالبهم. صحيح يعاني السودانيون من الاختلافات والفرقة السياسية الشديدة، إلا أن هناك اتفاقا واسعا على العديد من وجهات النظر التي تجعل الحوار والحل ممكنين.
على ضوء كل ما سبق، ومن نتائج الدراسة، وبوصف الوساطة، سياسيًا واجتماعيًا، بين الفاعلين في الصراع السوداني أداة فعالةً للوصول لتفاهمات أولية تُنهي النزاع، ومن ثم تمهد لأبتدار الحوار الذي يقود لانتقال ديمقراطي حقيقي، تستنتج «المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام» أن العمل على منبر وساطة هجين يخلق مسارًا وجب على الفاعلين السودانيين استكشافه واختبار نجاعته. وانطلاقًا من نقد الوساطة الدولية غير الفعالة، يتبنى منبر الوساطة الهجين مفهوم الملكية الوطنية لإدارة عمليات الوساطة بقيادة سودانية تقوم بإعادة تعريف وضبط الجهود الدولية. وترسم «المبادرة» ملامح هذا المقترح، وتستعرض تعريفه وأهم آلياته وأوجه تميزه عن المسارات السابقة، وإمكانية تحققه، وذلك على النحو الذي سنتناوله في المقالات القادمة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

فيديو "البقرة الراقصة" وتذاكر بـ425 دينارا .. ماذا كسبت العقبة من حفل عمرو دياب؟

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

كاميرات جديدة تراقب شوارع الأردن .. هذه المخالفات تحت الرصد

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن