العرب .. اتفقوا ألا يتفقوا فدخل الآخرون من بين شقوقهم
30-09-2026 08:52 PM
هناك لحظات في التاريخ لا تسقط فيها الأمم لأن عدوًا كان أقوى منها، وإنما تسقط عندما تتخلى عن أسباب قوتها، وتنشغل بخلافاتها، ثم تنتظر من الآخرين أن يحموا مصالحها. وربما تكون واحدة من أكثر مفارقات التاريخ إثارة للتأمل أن المسلمين لم يكونوا دائمًا في موقع الضعيف الذي يبحث عن حماية الآخرين؛ فالتاريخ الأوروبي نفسه شهد صعود قوى إسلامية وصلت إلى قلب القارة وأثرت في مسارها السياسي والحضاري. فقد دخل الأمويون الأندلس، وأقاموا فيها حضارة استمرت قرونًا، ووصل نفوذ المسلمين إلى جنوب فرنسا، ثم جاء المسلمون إلى صقلية وجنوب إيطاليا، وتعاقبت دول إسلامية كبرى مثل المرابطين والموحدين في الأندلس والمغرب، قبل أن تصعد الدولة العثمانية لتصبح قوة كبرى داخل أوروبا، فتوسعت في البلقان، وسيطرت على القسطنطينية، وامتد نفوذها إلى وسط أوروبا، وحاصرت فيينا مرتين.
أي أن القوة الإسلامية لم تكن يومًا غريبة عن أوروبا، بل كانت طرفًا فاعلًا في تاريخها لقرون، وكان على القوى الأوروبية أن تحسب حسابها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. ثم تغير ميزان القوة عبر القرون، وانقلبت المعادلة، وأصبح العالم الإسلامي في مراحل لاحقة هو الطرف الذي يبحث عن حماية القوى الكبرى. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها: كيف انتقلنا من أمة وصلت قوتها إلى قلب أوروبا، إلى دول عربية تتنافس أحيانًا على طلب حماية القوى الخارجية؟ وماذا حدث بين الأمس واليوم حتى أصبحنا نبحث عن القوة خارج حدودنا بدلًا من أن نبنيها داخلها؟
لا يعني هذا أن الغرب كتلة واحدة، ولا أن كل دولة غربية تتحرك وفق خطة واحدة ضد المسلمين، ولا أن التاريخ يفرض على الحاضر أن يكرر نفسه. لكن التاريخ يظل مهمًا لأنه يكشف كيف تتعامل القوى الكبرى مع صعود القوى المنافسة، وكيف تصبح مناطق القوة والثروة والممرات الاستراتيجية جزءًا من الحسابات الدولية. والسياسة الدولية في النهاية لا تقوم على الصداقة وحدها، وإنما على المصالح والقوة والنفوذ، والدولة التي تدخل في تحالف مع قوة كبرى لا تدخل معه في علاقة عاطفية، وإنما في علاقة تحكمها مصالح متبادلة وحسابات استراتيجية.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل أمريكا تحب العرب أم تكرههم؟ السؤال الأكثر واقعية هو: ما مصلحة أمريكا في المنطقة؟ وما مصلحة أوروبا؟ وما مصلحة الصين؟ وما مصلحة روسيا؟ فكل قوة دولية تتحرك وفق مصالحها، وقد تتفق مصالحها معنا في لحظة، وتختلف معنا في لحظة أخرى. والمشكلة لا تبدأ من التعاون مع الخارج، فالتعاون والتحالفات جزء طبيعي من العلاقات الدولية، وإنما تبدأ عندما تتحول الحماية إلى اعتماد، والاعتماد إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على التأثير في القرار الوطني.
ولعل تجربة إيران عام 1964 تقدم مثالًا تاريخيًا يستحق التوقف عنده. ففي أكتوبر من ذلك العام أقر البرلمان الإيراني اتفاقًا منح العسكريين الأمريكيين وعائلاتهم حصانة من الملاحقة القضائية في إيران، وهو الاتفاق الذي أثار غضب الخميني واعتبره مساسًا بالسيادة الإيرانية، وجاء في سياق معارضته لنظام الشاه وعلاقته الوثيقة بالولايات المتحدة. ولا يصح أن نساوي قانونيًا بين ذلك الاتفاق وبين كل الاتفاقيات العسكرية الأمريكية الحالية في الخليج، فلكل اتفاق شروطه وأحكامه، لكن الدرس الأوسع يظل قائمًا: عندما تختل موازين القوة بين الدولة وشريكها الخارجي، يصبح السؤال عن السيادة والقدرة على اتخاذ القرار سؤالًا جوهريًا.
ومن هنا نصل إلى فلسطين، وربما لا توجد قضية معاصرة تكشف اختلال موازين القوة في المنطقة مثل القضية الفلسطينية. عقود طويلة من الصراع والمفاوضات والاتفاقيات والهدن، ثم خلافات متكررة حول تنفيذ الالتزامات، بينما استمر الدعم الأمريكي لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا بدرجات مختلفة. وهذا لا يثبت وحده وجود خطة غربية موحدة لمنع المسلمين من النهوض، ولا ينبغي أن نحول التاريخ إلى نظرية مؤامرة شاملة، لكنه يكشف شيئًا أكثر واقعية: أن موازين القوة الدولية تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الأطراف على فرض شروطها وحماية مصالحها.
والسؤال هنا ليس لماذا تقف الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في كل قضية؛ فهذا موضوع له أسبابه الاستراتيجية والسياسية المعروفة، وإنما السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: لماذا لا نملك نحن أوراق القوة التي تجعل مصالحنا موضع حساب حقيقي في المعادلة الدولية؟ لماذا نبحث دائمًا عن الحماية بدلًا من بناء القدرة؟ لماذا نتصور أن القوة الأجنبية تستطيع أن تمنحنا أمنًا دائمًا، بينما لا نمنح نحن أنفسنا القدر نفسه من الاهتمام ببناء اقتصاد قوي، وتكنولوجيا متقدمة، وصناعة دفاعية، وقدرات سياسية وإعلامية واستراتيجية مستقلة؟
لدينا الجغرافيا، ولدينا الثروات، ولدينا الطاقة، ولدينا الممرات البحرية، ولدينا الأسواق، ولدينا ملايين الشباب، ولدينا جيوش قوية في عدد من الدول العربية، ولدينا إمكانات بشرية وعلمية ضخمة. لكن امتلاك عناصر القوة شيء، وتحويلها إلى قوة سياسية واستراتيجية شيء آخر تمامًا. القوة الحقيقية ليست في كمية ما تملك فقط، وإنما في قدرتك على استخدام ما تملك لحماية مصالحك.
وهنا تظهر مشكلتنا العربية الكبرى: نحن لا نفتقر دائمًا إلى عناصر القوة، لكننا نفتقر كثيرًا إلى القدرة على الاتفاق على كيفية استخدامها. نختلف فيما بيننا، ثم نستدعي الخارج. نختلف على النفوذ، فنبحث عن قوة دولية تدعم طرفًا ضد طرف. نختلف سياسيًا، فنسمح بتحويل خلافاتنا إلى أوراق في أيدي الآخرين. ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا أصبح الخارج مؤثرًا في شؤوننا؟
لأننا نحن الذين فتحنا له الأبواب.
والأمر لا يتوقف عند السياسة الخارجية، وإنما يمتد إلى الطريقة التي نتعامل بها مع حكامنا ودولنا. بالأمس نصفق للحاكم، واليوم، إذا سقط، قد يتحول فجأة إلى هدف للإهانة والتشفي، وكأننا نعيد كتابة التاريخ كلما تغيرت موازين القوة. نقد الحاكم حق، ومحاسبة المسؤول ضرورة، وتغيير السياسات أمر طبيعي في حياة الدول، لكن هناك فارقًا بين المحاسبة والإهانة، وبين المعارضة والتشفي، وبين تغيير السلطة وإسقاط هيبة الدولة. الدولة أكبر من الحاكم، والوطن أكبر من السلطة، والخلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى كراهية للدولة نفسها.
والأخطر أننا أحيانًا نفرح بإضعاف دولة عربية لأنها تختلف معنا، ثم نكتشف بعد ذلك أن القوة التي ساهمنا في استدعائها أو تمكينها لم تتوقف عند حدود تلك الدولة، وإنما أصبحت أقرب إلى الجميع. وهذه هي إحدى أخطر مشكلات الحسابات القصيرة: أن إضعاف جارك لا يعني بالضرورة أنك أصبحت أقوى، فقد يعني ببساطة أن طرفًا آخر أصبح أقوى منكما معًا.
ولهذا فإن استدعاء التاريخ الإسلامي ليس دعوة إلى استعادة إمبراطورية انتهت، ولا دعوة إلى العداء مع أوروبا أو الغرب، وإنما هو تذكير بحقيقة تاريخية مهمة: المسلمون لم يكونوا دائمًا الطرف الذي ينتظر حماية الآخرين. كانت هناك مرحلة تاريخية كانت فيها القوة الإسلامية عاملًا رئيسيًا في حسابات القوى الأوروبية، ثم تغير ميزان القوة. والتاريخ هنا لا يقدم لنا وصفة لاستعادة الماضي، لكنه يقدم لنا درسًا في صناعة المستقبل.
نحن لا نحتاج إلى عداوة الغرب، ولا إلى عداوة أمريكا، ولا إلى الدخول في صراع دائم مع أي قوة دولية. ما نحتاجه هو علاقة متوازنة، تكون فيها التحالفات اختيارًا لا اضطرارًا، والتعاون مصلحة متبادلة لا تبعية، والحماية الخارجية جزءًا من شبكة العلاقات الدولية وليست بديلًا عن القوة الوطنية.
فالدولة القوية يمكنها أن تتحالف، أما الدولة التي لا تملك بدائل فقد تتحول تحالفاتها إلى اعتماد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيحمينا؟ السؤال الحقيقي هو: متى نمتلك نحن القوة التي تجعل حماية مصالحنا مسؤوليتنا الأولى؟
فالقوة لا تُستعار إلى الأبد، والحماية لا تأتي بلا حساب، والتحالفات لا تلغي المصالح الوطنية، والتاريخ لا يرحم الأمم التي لا تتعلم من تجاربها.
ربما لم تكن مشكلتنا يومًا أننا لا نملك القوة، وإنما أننا نمتلكها متفرقة، ونستخدمها منفردة، ونختلف فيما بيننا أكثر مما نتفق على الحد الأدنى من مصالحنا المشتركة. وحين يحدث ذلك، لا يحتاج الآخرون إلى اختراع أبواب جديدة للدخول؛ يكفي أن يجدوا الشقوق التي تركناها نحن.
والأخطر من ذلك أننا أحيانًا نبحث عن القوة عند الآخرين بينما نضعف القوة الموجودة لدينا، ونعتقد أن حماية الخارج يمكن أن تكون بديلًا عن وحدة الداخل. لكن التاريخ يقول إن الدول لا تحميها النوايا الحسنة، وإنما تحميها مؤسسات قوية، واقتصاد قادر، وجيش محترف، وتكنولوجيا متقدمة، ومجتمع متماسك، وسياسة خارجية تعرف متى تتعاون ومتى ترفض ومتى تفاوض.
ومن هنا فإن القضية ليست أن نكره الغرب أو نعيش أسرى للماضي، وليست أن نحول كل علاقة مع الولايات المتحدة أو أوروبا إلى مؤامرة. القضية أن نفهم قاعدة بسيطة في العلاقات الدولية: لا أحد يستطيع أن يحمي مصالحك أكثر منك.
قد يتحالف معك الآخرون، وقد يساعدونك، وقد يدافعون عنك عندما تتقاطع مصالحهم مع مصالحك، لكن عندما تتغير الحسابات ستعود كل دولة إلى مصالحها.
وهذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه.
لا نريد عالمًا بلا تحالفات، وإنما نريد تحالفات لا تلغي استقلال القرار.
ولا نريد عداوة مع أحد، وإنما نريد أن نكون أقوياء بما يكفي حتى لا يصبح اختلافنا مع أي قوة دولية سببًا في تهديد أمننا.
ولا نريد أن نستعيد الماضي، وإنما نريد أن نتعلم منه.
فمن الأندلس إلى صقلية، ومن المرابطين والموحدين إلى الدولة العثمانية، عرف التاريخ الأوروبي قوى إسلامية امتلكت القدرة على الحركة والتأثير والوصول إلى قلب أوروبا. ثم تغير ميزان القوة، وأصبح العالم العربي والإسلامي في مراحل مختلفة ساحة للتنافس الدولي.
وهذه ليست دعوة للحزن على الماضي، وإنما دعوة لفهم الحاضر.
فالأمم لا تعيش على أمجادها القديمة، لكنها تستطيع أن تتعلم منها.
والقوة التي كانت موجودة بالأمس يمكن أن تعود بأشكال جديدة: قوة اقتصادية، قوة تكنولوجية، قوة عسكرية، قوة علمية، قوة إعلامية، وقبل كل ذلك قوة سياسية نابعة من وحدة المصالح.
أما أن نظل مختلفين، وأن يبحث كل طرف عن حامٍ خارجي، وأن نستخدم الآخرين ضد بعضنا، ثم نشكو من نفوذهم، فهذه ليست استراتيجية.
هذه هي الوصفة المثالية لأن يدخل الآخرون من بين شقوقنا.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: من سيحمينا؟
بل:
متى نمتلك نحن القوة التي تجعل حماية مصالحنا مسؤوليتنا الأولى؟
فربما تكون أكبر مآسينا في العصر الحديث أننا لم نفقد كل عناصر القوة، وإنما فقدنا القدرة على الاتفاق على كيفية استخدامها.
العرب.. اتفقوا ألا يتفقوا، فدخل الآخرون من بين شقوقهم.
468 عملية تستهدف الحوثيين في اليمن
أُمَّةٌ تَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ… إِلا شُرُوطَ النَّهُوضِ
الصحة والغذاء النيابية توضح سبب هدر الدواء في الأردن
أسرار اختطاف طائرة فلاي / تل أبيب
بحضور الملك والملكة .. عقد قران الأميرة سارة بنت فيصل
العرب .. اتفقوا ألا يتفقوا فدخل الآخرون من بين شقوقهم
الكشف عن جنسية طيار فلاي دبي .. وهذه آخر مستجدات التحقيق
ارتفاع القيمة السوقية لعودة الفاخوري
بلاش: واشنطن تنسق مع إسرائيل بشأن حادث طائرة فلاي دبي
مهم من النواب للأردنيين بشأن قانون الضمان
البيئة وأمانة عمان تبدآن مشروعا لتشجير 200 فضلة أرض
مشهد لافت يحدث الآن في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافا
من سجلات الأمس إلى بيانات الغد: التعداد السكاني في الأردن بين التاريخ والقانون
وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان
ماذا يفعل الطالب بعد ظهور "غير مقبول" في القبول الموحد؟
القبول الموحد يتيح الانتقال لـ3 تخصصات .. تعرف على الموعد والشروط
القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط
صدور نتائج القبول الموحد في الأردن للعام الجامعي 2026-2027
نتائج القبول الموحد اليوم .. انتبهوا لموعدين مهمين
وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة
25% دفعة أولى تعني إعفاءً كاملا من الفائدة .. الضمان يعلن تفاصيل القرار الجديد
أردنيون مطالبون بتسديد أموال للحكومة .. أسماء
وصول أرويا إلى ميناء العقبة وعلى متنها نحو 3400 سائح
تدهور مركبة على طريق بلدة كفريوبا باتجاه إربد
طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء
ضبط معمل سري داخل منزل بعمّان .. ماذا كان يُصنّع بداخله