أُمَّةٌ تَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ… إِلا شُرُوطَ النَّهُوضِ

أُمَّةٌ تَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ… إِلا شُرُوطَ النَّهُوضِ

30-09-2026 09:26 PM

حين تُحَاصَرُ مَدِينَةٌ، وَيُجَوَّعُ الأَطْفَالُ، وَتُصَبُّ الحُمَمُ عَلَى الرُّؤُوسِ بِلَا هَوَادَةٍ، ثُمَّ تَلْتَفِتُ نَحْوَ الخَارِيطَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فَتَرَى دُوَلًا تَجْلِسُ عَلَى أَبَارِ النِّفْطِ وَالْغَازِ، وَتَتَحَكَّمُ بِالْمَضَايِقِ وَالْمَوَاقِعِ الإِسْتِرَاتِيجِيَّةِ، وَتَقُودُ صَنَادِيقَ سِيَادِيَّةً تَمْلِكُ التَّرِيلِيُونَاتِ، ثُمَّ يَنْتَهِي هَذَا كُلُّهُ إِلَى عَجْزٍ مُطْلَقٍ عَنْ إِغَاثَةِ مُحَاصَرٍ أَوْ حِمَايَةِ مَظْلُومٍ؛ فَإِنَّ السُّؤَالَ لا يَعُودُ عَنْ نَقْصِ المَوَارِدِ، بَلْ عَنْ "عِلَّةِ المَشْلُولِ الَّذِي يَحْمِلُ جَبَلًا".
أَيْنَ تَكْمُنُ الأَزْمَةُ إِذَنْ؟
هَلِ المَشْكِلَةُ فِي العَقِيدَةِ؟ أَمْ فِي الجَمَاهِيرِ؟ أَمْ فِي أَمْرٍ أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟
يَرَى بَعْضُ المُنَظِّرِينَ الغَرْبِيِّينَ وَالرُّوسِ—كَمَا فِي طَرِائِحِ أَلِكْسَنْدَر دُوغِين—أَنَّ المَشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي الإِسْلَامِ السُّنِّيِّ بَاطِنًا وَعَقِيدَةً، وَلا فِي الشُّعُوبِ فِي ذَاتِهَا، بَلْ فِي ظَاهِرَةِ "تَسْيِيسِ الدِّينِ"، وَفَسَادِ النُّخَبِ، وَظُهُورِ تَيَّارَاتٍ وَظَّفَتْ المَقُولَاتِ الدِّينِيَّةَ فِي صِرَاعَاتٍ بَيْنِيَّةٍ أَدَّتْ خِدْمَةً مَجَّانِيَّةً لِلْخُصُومِ.
وَرَغْمَ أَنَّ هَذَا التَّشْخِيصَ يُكْشِفُ طَبَقَةً مِنَ المَشْهَدِ، إِلا أَنَّهُ لا يَلْمَسُ القَلْبَ المَرِيضَ. فَبَعْدَ انْزِياحِ الدُّخَانِ الصِّرَاعِيِّ، يَبْقَى السُّؤَالُ الهَيْكَلِيُّ حَاكِمًا: كَيْفَ يَتَحَوَّلُ المَالُ إِلَى سُلْطَةٍ، وَالسِّلاحُ إِلَى رَدْعٍ، وَالعَدَدُ إِلَى نُفُوذٍ، وَالقِيَمُ إِلَى مَؤَسَّسَاتٍ؟
إِنَّ أَمْرَ الأُمَّةِ لا يَقِفُ عِنْدَ غِيَابِ "عَنَاصِرِ القُوَّةِ"، بَلْ عِنْدَ "العَجْزِ عَنْ تَرْكِيبِهَا" فِي مَنَظُومَةٍ حَيَّةٍ قَادِرَةٍ عَلَى الفِعْلِ.
أَوَّلًا: الفَارِقُ بَيْنَ امتِلاكِ المَوَارِدِ وَبِنَاءِ القُدْرَةِ
لِنَأْخُذْ مِثَالًا شَاخِصًا مِنَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ.
تَمْلِكُ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ واحِدًا مِنْ أَعْظَمِ التَّكَتُّلَاتِ المَالِيَّةِ فِي العَالَمِ؛ إِذْ تُشِيرُ أَرْقَامُ صُنْدُوقِ الاسْتِثْمَارَاتِ العَامَّةِ لِعَامِ 2025 إِلَى تَجَاوُزِ أُصُولِهِ المَُدَارَةِ حَاجِزَ 3.4 تَرِيلِيُونِ رِيَالٍ سُعُودِيٍّ، مَعَ حَجْمِ اسْتِثْمَارَاتٍ مَحَلِّيَّةٍ أُفُقِيَّةٍ نَاهَزَتْ 750 مِلْيَارَ رِيَالٍ خِلَالَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ. لَكِنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ فِي الأَرْقَامِ كَمَّا، بَلْ فِي المَحَاوَلَةِ الشَّاقَّةِ لِتَحْوِيلِ هَذِهِ السُّيُولَةِ إِلَى صِنَاعَاتٍ وَتِكْنُولُوجْيَا وَسَلاسِلِ إِمْدَادٍ طَوِيلَةِ الأَجَلِ.
هُنَا يَتَجَلَّى الخَيْطُ الفَاصِلُ بَيْنَ "المَالِ" وَ"القُدْرَةِ":
المَالُ فِي الخَزِينَةِ: رَقَمٌ مُحَاسَبِيٌّ أَعْمَى.
المَالُ فِي المَصْنَعِ وَالمَعْمَلِ: سُلْطَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ مُنْتِجَةٌ لِلْجِيُوبُولِيتِيكِ.
وَالأَمْرُ عَيْنُهُ يَنْسَحِبُ عَلَى المُنْتَجِ العَسْكَرِيِّ؛ فَشِرَاءُ طَائِرَاتِ الجِيلِ الخَامِسِ أَوْ أَنْظِمَةِ الدِّفَاعِ الجَوِّيِّ الحَدِيثَةِ لا يَعْنِي امْتِلاكِ "دِفَاعٍ مُسْتَقِلِّ". إِنَّ مَنْ لا يَمْلِكُ شَفْرَةَ المَصْدَرِ (Source Code)، وَلا يَصْنَعُ قِطَعَ الغِيَارِ، وَلا يُطَوِّرُ خَوَارِزْمِيَّاتِ التَّوَجُّهِ، يَمْلِكُ "سِلاحًا إِعَارِيًّا" يَُمْكِنُ إِبْطَالُهُ بِقَرَارٍ سِيَاسِيٍّ مِنْ خَارِجِ الحُدُودِ.
فَالسُّؤَالُ لَيْسَ: كَمْ نَمْلِكُ؟ بل: مَاذَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ بِمَا نَمْلِكُ؟
ثَانِيًا: المَنْظُومَةُ الشَّبَكِيَّةُ… دَرْسُ "بِينَانْغ"
تُقَدِّمُ جَزِيرَةُ "بِينَانْغ" المَالِيزِيَّةُ نَمُوذَجًا شَارِحًا لِكَيْفِيَّةِ بِنَاءِ القُدْرَةِ عَبْرَ "التَّرْكِيبِ". فَقَدْ اسْتَطَاعَتْ هَذِهِ البُقْعَةُ الصَّغِيرَةُ، عَبْرَ عُقُودٍ مِنَ التَّخْطِيطِ المَُؤَسَّسِيِّ، أَنْ تُحَوِّلَ المَوْقِعَ الجُغْرَافِيَّ وَالاسْتِثْمَارَ الأَجْنَبِيَّ إِلَى حَلَقَةٍ حَاجِزَةٍ فِي سِلْسِلَةِ أَشْبَاهِ المُوَصِّلاتِ (Semiconductors) العَالَمِيَّةِ.
وَبِحُلُولِ عَامِ 2026، كَشَفَتْ بِينَانْغ عَنْ مَنْشَآتٍ جَدِيدَةٍ لِلتَّصْنِيعِ المُتَقَدِّمِ وَالتَّغْلِيفِ الدَّقِيقِ للَشَّرَائِحِ كَجُزْءٍ مِنْ إِسْتِرَاتِيجِيَّةِ التَّحَوُّلِ نَحْوَ "التَّصْمِيمِ وَالبَحْثِ المُسْتَقِلِّ".
تِلْكَ المَعْرَكَةُ تُثْبِتُ أَنَّ:
الجُغْرَافِيَا لا تُمْنَحُ قُوَّةً تِلْقَائِيًّا.
المَالُ المُجَرَّدُ لا يَخْلُقُ صِنَاعَةً حَيَوِيَّةً.
وجُودُ الشَّرِكَاتِ العَالَمِيَّةِ لا يَكْفِي مَا لَمْ يُُطَوَّقْ بِتَعْلِيمٍ مَحَلِّيٍّ، وَمُوَرِّدِينَ مَحَلِّيِّينَ، وَبُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ دَقِيقَةٍ.
الأُمَمُ لا تَنَهَضُ بِكَمِّ المَوَارِدِ، بَلْ بِكِفَايَةِ المَنْظُومَةِ.
ثَالِثًا: الإِنْسَانُ وَالمُؤَسَّسَةُ… العِلَّةُ وَالمَعْلُولُ
يَضَعُ القُرْآنُ الكَرِيمُ مِعْيَارَ التَّغْيِيرِ فِي عُمْقِ البِنْيَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالمُؤَسَّسِيَّةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
والمَقْصُودُ هُنَا لَيْسَ التَّصَوُّفَ الفَرْدِيَّ المُجَرَّدَ، بَلْ بِنَاءَ "الإِنْسَانِ المُنَظَّمِ" القَادِرِ عَلَى إِدَارَةِ المَوَارِدِ:
المَالُ لا يُقَرِّرُ مَسَارَهُ؛ بَلْ يُقَرِّرُهُ المَنْهَجُ المَالِيُّ وَالإِدَارِيُّ.
السِّلاحُ لا يَصْنَعُ الإِسْتِرَاتِيجِيَّةَ؛ بَلْ يَصْنَعُهَا العَقْلُ السِّيَاسِيُّ.
الجَامِعَةُ لا تُنْتِجُ عِلْمًا بِجُدْرَانِهَا؛ بَلْ بِالنِّظَامِ الَّذِي يَحْمِي البَاحِثَ وَيُكَاَفِئُ الإِبْدَاعَ.
مِنْ هُنَا نَفْهَمُ كَيْفَ لِدَوْلَةٍ مَالِيَّةٍ أَنْ تَكُونَ "عَالَةً تِكْنُولُوجِيًّا"، وَلِدَوْلَةٍ تُنْفِقُ المِلْيَارَاتِ عَلَى التَّعْلِيمِ أَنْ تَفْشَلَ فِي إِنْتَاجِ بَرَاءَةِ اخْتِرَاعٍ وَاحِدَةٍ تُدَارُ اقْتِصَادِيًّا.
رَابِعًا: صِرَاعُ الأَجْنِحَةِ وَإِهْدَارُ القُوَّةِ
حِينَ يَقُولُ الحَقُّ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
فَإِنَّهُ يَصِفُ المِيكَانِيكَا الدَّاخِلِيَّةَ لِتَبْدِيدِ الطَّاقَةِ.
فِي القَرْنِ الحَادِي وَالعِشْرِينَ، تَتَجَلَّى هَذِهِ الآيَةُ فِي:
جَامِعَاتٍ تُحَارِبُ أَقْسَامُهَا بَعْضَهَا بَعْضًا لِلْحُصُولِ عَلَى المِيزَانِيَّاتِ بَدَلًا مِنَ التَّكِامُلِ.
مُؤَسَّسَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَاحْتِجَاجِيَّةٍ تَسْتَهْلِكُ 90% مِنْ طَاقَتِهَا فِي النَّقْدِ البَيْنِيِّ وَالتَّخْوِينِ، مُتَنَاسِيَةً المَشْرُوعَ الوجُودِيَّ.
إِنَّ الوَحْدَةَ المَطْلُوبَةَ (﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾) لَيْسَتْ إِلْغَاءً لِلتَّنَوُّعِ أَوْ فَرْضًا لِلرَّأْيِ الوَاحِدِ، بَلْ إِدَارَةٌ مُؤَسَّسِيَّةٌ لِلإِخْتِلافِ بِمَا يَمْنَعُ اسْتِنْزَافَ القُدْرَةِ المَشْتَرَكَةِ.
خَامِسًا: القُوَّةُ الحَدِيثَةُ "شَبَكَةٌ" لا "مَخْزَنٌ"
بَدَلًا مِنْ أَنْ نَفْخَرَ بِأَنَّنَا "مِلْيَارٌ وَثَمَانُمِئَةِ مِلْيُونِ مُسْلِمٍ"، لِنَطْرَحِ الأَسْئِلَةَ الشَّبَكِيَّةَ:
كَمْ جَامِعَةً لَدَيْنَا تُسَاهِمُ فِي الكِيمْيَاءِ الحَيَوِيَّةِ أَوْ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ بِمَا يَحْتَاجُهُ العَالَمُ؟
كَمْ شَرِكَةً عَرَبِيَّةً أَو إِسْلَامِيَّةً تَقُودُ سِلْسِلَةَ إِمْدَادٍ حَاسِمَةً فِي الصِّنَاعَةِ العَالَمِيَّةِ؟
كَمْ مُؤَسَّسَةً عِلْمِيَّةً أَوْ مَالِيَّةً تَمْلِكُ حِمَايَةً حَقِيقِيَّةً لِلْكَفَاءَاتِ بَعِيدًا عَنْ أَوْرَامِ المَحْسُوبِيَّةِ؟
إِنَّ صِنَاعَةَ شَرِيحَةٍ إِلكْتَرُونِيَّةٍ وَاحِدَةٍ حَدِيثَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِيَّةٍ شَبَكِيَّةٍ شَاقَّةٍ: (مُهَنْدِسُ تَصْمِيمٍ + مُعَدَّاتُ لِيثُوغْرَافِيَا دَقِيقَةٌ + غَازَاتٌ نَقِيَّةٌ + بَرْمَجِيَّاتٌ + أَمْوَالُ مُخَاطَرَةٍ + سُوقٌ يُسْتَوْعِبُ).
إِذَا سَقَطَتْ حَلَقَةٌ وَاحِدَةٌ، سَقَطَتِ الشَّبَكَةُ كُلُّهَا، وَلَنْ يُعَوِّضَهَا أَلْفُ مِلْيَارِ دُولَارٍ فِي الحِسَابَاتِ الرَّكِدَةِ.
سَادِسًا: مِنْ "شِرَاءِ السِّلاحِ" إِلَى "تَوْطِينِ الإِرَادَةِ"
إِنَّ الِاسْتِيرَادَ الدَائِمَ لِلتِّكْنُولُوجْيَا العَسْكَرِيَّةِ دُونَ خَطَّةٍ مَرْحَلِيَّةٍ لِلتَّوْطِينِ يَعْنِي رَهْنَ القَرَارِ السِّيَاسِيِّ لِلْمُصَنِّعِ.
السياسَةُ الدِّفَاعِيَّةُ الرَّشِيدَةُ تَنْتَقِلُ مِنْ منطِقِ "الصَّفَقَةِ" إِلَى مَنْطِقِ "التَّرَاكُمِ المَعْرِفِيِّ":
مَنْ يَمْلِكُ الخِبْرَةَ الفَنِيَّةَ؟
مَنْ يُمَاكِنُ الصِّيَانَةَ وَالتَّطْوِيرَ؟
مَنْ يُشَغِّلُ خَوَارِزْمِيَّاتِ الأَمْنِ السَّيْبِرَانِيِّ؟
السِّلاحُ المَشْتَرَى يَمْنَحُكَ "قُدْرَةً مَشْرُوطَةً"، أَمَّا التَّصْنِيعُ المَحَلِّيُّ فَيَمْنَحُكَ "اسْتِقْلَالًا جِيُوبُولِيتِيكِيًّا".
سَابِعًا: جَسْرُ التَّحَوُّلِ… مِنْ القِيَمِ إِلَى التَّرْتِيبَاتِ
لا يَعْرِفُ الإِسْلَامُ القُوَّةَ المَُجَرَّدَةَ كَغَايَةٍ فِي ذَاتِهَا؛ فَالْقُوَّةُ بِلَا مَرْجِعِيَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ هِيَ بَطْشٌ، وَالْمَالُ بِلَا أَمَانَةٍ هُوَ فَسَادٌ.
وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ الآيَةَ: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
فَنَصْرُ اللَّهِ لا يَكُونُ بِالأَمَانِيِّ وَلا بِالدُّعَاءِ المَُجَرَّدِ عَنْ الأَسْبَابِ، بَلْ بِتَحْوِيلِ المَفَاهِيمِ القُرْآنِيَّةِ إِلَى تَرْتِيبَاتٍ إِجْرَائِيَّةٍ:
الأَمَانَةُ تُتَرْجَمُ إِلَى: أَنْظِمَةِ حَوْكَمَةٍ وَرَقَابَةٍ صَارِمَةٍ.
العَدْلُ يُتَرْجَمُ إِلَى: سِيَادَةِ قَانُونٍ لا يَسْتَثْنِي المِلَكِيَّاتِ أَوْ النُّخَبَ.
العِلْمُ يُتَرْجَمُ إِلَى: مُخْتَبَرَاتٍ وَمُؤَسَّسَاتِ بَحْثٍ ذَاتِ مِيزَانِيَّاتٍ مُحَمِيَّةٍ.
الإِتْقَانُ يُتَرْجَمُ إِلَى: ثَقَافَةٍ جَوْدَةٍ شَامِلَةٍ فِي المَصْنَعِ وَالمُسْتَشْفَى.
عندَهَا فَقَطْ، تَنْتَقِلُ القِيَمُ مِنْ "الوَعْظِ الشَّفَهِيِّ" إِلَى "القُدْرَةِ الحَضَارِيَّةِ".
ثَامِنًا: غَزَّةُ… اخْتِبَارُ العَاطِفَةِ أَمَامَ المَنْظُومَةِ
كَشَفَتْ مَأْسَاةُ غَزَّةَ العُارَ المَُؤَسَّسِيَّ لِلْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ. فَالصَُّوَرُ المُرَوِّعَةُ القَادِمَةُ مِنْ القِطَاعِ اسْتَفَزَّتْ مَشَاعِرَ المِلْيَارَاتِ، لَكِنَّ هَذِهِ المَشَاعِرَ صَدَمَتْ بِجِدَارِ العَجْزِ المَُنَظَّمِ.
إِنَّ التَّبَرُّعَ المَوْسِمِيَّ وَالمَوْقِفَ الشَّعْبِيَّ المُسْتَنْكِرَ كِلاهُمَا مَطْلُوبٌ، لَكِنَّهُمَا لا يُغْنِيَانِ عَنْ:
شَبَكَاتِ إِغَاثَةٍ قَانُونِيَّةٍ وَدُوَلِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ تُدَارُ بِمَهَنِيَّةٍ عَالِيَةٍ.
مُؤَسَّسَاتٍ إِعْلَامِيَّةٍ وَبَحْثِيَّةٍ تَكْسِرُ الرِّوَايَةَ الصَّهْيُونِيَّةَ فِي صَنَادِيقِ القَرَارِ الغَرْبِيِّ.
رَوَافِعَ اقْتِصَادِيَّةٍ تُحَوِّلُ الاسْتِهْلَاكَ إِلَى سِلاحِ ضَغْطٍ مَُؤَثِّرٍ.
العَاطِفَةُ تَبْدَأُ المَشْرُوعَ، لَكِنَّ المُؤَسَّسَةَ هِيَ الَّتِي تُدِيمُهُ وَتَحْمِيهِ.
تَاسِعًا: خَرِيطَةُ طَرِيقٍ نَحْوَ الفِعْلِ
إِذَا أَرَدْنَا الخُرُوجَ مِنْ خَنَادِقِ التَّشَاكِي إِلَى فَضَاءِ البِنَاءِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَزْمَةٍ مِنَ المَسَارَاتِ المُتَكَامِلَةِ:
إِصْلَاحُ بِيئَةِ التَعْلِيمِ وَالبَحْثِ: أَنْ يَتَحَوَّلَ التَّعْلِيمُ مِنْ "تَخْرِيجِ أَمَلَةِ الشَّهَادَاتِ" إِلَى "تَوْطِينِ المَهَارَاتِ المُتَقَدِّمَةِ".
بِنَاءُ سَلَاسِلِ قِيمَةٍ إِقْلِيمِيَّةٍ: خَلْقُ تَكَتُّلَاتٍ صِنَاعِيَّةٍ إِسْلَامِيَّةٍ تُكَمِّلُ بَعْضَهَا بَعْضًا فِي التِّكْنُولُوجْيَا وَالأَغْذِيَةِ وَالدَّوَاءِ.
تَوْجِيهُ رَأْسِ المَالِ السِّيَادِيِّ: الاسْتِثْمَارُ فِي بَحْثِ وَتَطْوِيرِ التِّكْنُولُوجْيَا الحَرِجَةِ (Deep Tech) وَالصِّنَاعَاتِ الثَّقِيلَةِ بَدَلًا مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِالأُصُولِ العَقَارِيَّةِ وَالأَسْهُمِ الاِسْتِهْلَاكِيَّةِ.
التَّوْطِينُ التَّدْرِيجِيُّ لِلْمَعْرِفَةِ الدِّفَاعِيَّةِ: عَبْرَ فَرْضِ "شُرُوطِ نَقْلِ التِّكْنُولُوجْيَا" فِي كُلِّ صَفْقَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ.
تَأْسِيسُ المَنَفَاذِ الإِغَاثِيَّةِ الدَّائِمَةِ: بِنَاءُ أُطُرٍ إِغَاثِيَّةٍ وَقَانُونِيَّةٍ مُسْتَدَامَةٍ لا تَنْتَظِرُ وقوعَ المَجَازِرِ لِتَبْدَأَ الحَرَاكَا.
تَرْشِيدُ الخِلَافِ: بِنَاءُ مَجَالِسَ وَأُطُرٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ تُدِيرُ التَّنَوُّعَ المَذْهَبِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ بِمَا يَصُونُ المَصْلَحَةَ العُلْيَا.
الْمَسَاءَلَةُ المَُؤَسَّسِيَّةُ: رَبْطُ تَوْزِيعِ المَوَارِدِ بِمَقَايِيسِ الإِنْتَاجِيَّةِ وَالكَفَاءَةِ لا بِالوَلَاءِ الضَّيِّقِ.
نَحْوَ أُمَّةٍ "تَسْتَطِيعُ الفِعْلَ"
إِنَّ النَّهْضَةَ لا تَبْدَأُ حِينَ نَمْلِكُ المَزِيدَ، بَلْ حِينَ نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نُكَبِّرُ القُدْرَةَ المَُسْتَخْرَجَةَ مِمَّا نَمْلِكُ.
المُعَادَلَةُ الحَضَارِيَّةُ لَيْسَتْ:
{دِينٌ}+{ثَرْوَةٌ} +{سِلَاحٌ} ={نَصْرٌ}
بَلْ هِيَ:
{إِنْسَانٌ مُتَعَلِّمٌ}{مُؤَسَّسَةٌ كَفُؤَةٌ}{عِلْمٌ مُنْتِجٌ}{إِدَارَةٌ لِلإِخْتِلافِ} ={قُدْرَةٌ عَلَى الفِعْلِ}
إِنَّ السُّنَنَ القُرْآنِيَّةَ هِيَ خَرِيطَةُ مَسْؤُولِيَّةٍ قَاطِعَةٍ:
غَيِّرُوا أَنْفُسَكُمْ وَمُؤَسَّسَاتِكُمْ.
اجْمَعُوا قُدُرَاتِكُمْ وَأَدِيرُوا اخْتِلافَكُمْ.
أَنْتِجُوا مَعْرِفَتَكُمْ وَحَوِّلُوا مَالَكُمْ إِلَى قُوَّةٍ.
انْصُرُوا الحَقَّ بِالأَسْبَابِ الحَقِيقِيَّةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِك، اسْأَلُوا عَنْ أَنْمَاطِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الوَاقِعِ.
فَهَلْ نَعْجَزُ لِأَنَّنَا لا نَمْلِكُ؟ أَمْ أَنَّنَا نَعْجَزُ لأنَّنَا لَمْ نَبْنِ—بَعْدُ—المُؤَسَّسَةَ الَّتِي تَعْرِفُ كَيْفَ تُحَوِّلُ هَذَا المِلْكِ إِلى وَاجِبِ الحِمَايَةِ وَالفِعْلِ؟


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد