العرب واوهام السلام

العرب واوهام السلام

03-10-2026 10:41 PM

السلام كلمة لها سحر خاص في حياة البشر، وبريق يصعب مقاومته والوقوف في وجهه، ولكن لهذا السلام قواعده الأساسية التي بغيرها يصبح استسلامًا وفرض شروط طرف على الطرف الآخر، وهذا لن يكون سلامًا، ولكن له اسم آخر لا أريد ذكره لأننا كعرب نعيشه للأسف.

وأولى قواعد السلام أن تكون هناك شرعية قانونية وأساسية لطرفي الصراع على الأرض المتنازع عليها، وهذا غير موجود بالنسبة للعدو الصهيوني، وليس ادعاء طرف بحقه الإلهي، وبالتالي المجيء بشعوب من مختلف الأجناس والثقافات تحت مزاعم الوعد الإلهي لهم، وكأن الله لم يخلق غيرهم من البشر! حتى يشردوا شعبًا آمنًا من وطنه الموجود به منذ بدء التاريخ الإنساني. وهنا الدين، أي دين، ليس قومية، ولكنه رسالة السماء لكل البشر.

وثاني القواعد إيمان طرفي الصراع بالحوار والحل السلمي والتكافؤ بين طرفي الصراع، وهو الذي لم يتوفر طيلة الصراع العربي الصهيوني، أي منذ النكبة العربية الكبرى. والثالثة أن تحاور من يؤمن بلغة الحوار وليس بالقتل والإرهاب والتهجير. رابعًا، أن يكون راعي الحوار أو مستضيفه محايدًا، وليس كما هو حالنا مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي حال صراعنا نحن العرب، نجد الولايات المتحدة شريكًا أساسيًا للعدو الصهيوني وحاميًا له، وإلى جانبها أغلب دول الغرب التي ترى مصالحها الخاصة، كما تعتقد، بوجود كيان استيطاني سرطاني على الأرض العربية. وللأسف تخلى الغرب عن علمانيته وتحضره وعاد للقرون الوسطى المظلمة، وشهد العصر الحديث صعود القوة اليمينية المتطرفة للحكم، والخطير بإرادة شعبية، وهذه القوى هي من يدعم المزاعم الصهيونية بحقها في فلسطين.

ومع صدور قرار التقسيم الظالم رقم 181 لعام 1947م، الذي لم يكن في الحقيقة إلا تثبيتًا واعترافًا أمميًا بحق الكيان الصهيوني وشرعيته على أرض فلسطين التاريخية، كمقدمة لتوسعه مستقبلًا عندما يصبح الوقت مناسبًا، لذلك رأينا نتنياهو، مع أول العدوان على جمهورية إيران الإسلامية، يتحدث عما أسماه بإسرائيل الكبرى.

ورغم خيانات بعض العرب، إلا أن أحدًا لم يجرؤ على انتهاك الإجماع العربي على رفض الوجود الصهيوني على أرض فلسطين حتى عام 1970م، وإن كان لبعض الأنظمة العربية اتصالاتهم ولقاءاتهم السرية مع الكيان الصهيوني، وكل ذلك كان خلف الكواليس خوفًا من حركة المد القومي العربي التي قادتها مصر الناصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ولكن كل ذلك تغير وانهار للأسف مع نكسة حزيران/يونيو والرحيل المفجع للزعيم جمال عبد الناصر، رحمه الله، وكان ذلك بداية الانهيار الذي بدأ من مصر الشقيقة مع بداية حرب أكتوبر، عندما اتصل أنور السادات مع هنري كيسنجر في ثاني يوم من العبور العظيم ليخبره أنه لن يتقدم أكثر من 15 كم، أي إنه يريدها حرب تحريك وليس تحريرًا كما كان يريدها سلفه الزعيم جمال عبد الناصر وقادته العسكريون، كما جاء في مذكرات حافظ إسماعيل، مستشار أنور السادات للأمن القومي.

لتبدأ بعد ذلك مسرحيات أكذوبة السلام مع أعداء السلام، ودعونا ننظر ماذا استفاد العدو الصهيوني وماذا استفدنا نحن العرب. ونبدأ بمصر الشقيقة الكبرى: كيف كانت قبل وبعد جريمة كامب ديفيد، وكيف تراجع دورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وخسرت مكانتها ودورها عربيًا وأفريقيًا وإسلاميًا، ولم يعد أمامها إلا الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، أي الاستعمار القديم ووريثه. وكم جاسوسًا صهيونيًا قُبض عليه في مصر منذ كامب ديفيد حتى اليوم، وكم من المؤامرات الصهيونية على مصر، ولن تكون سد النهضة آخرها.

ومن سار على نفس نهج كامب ديفيد بعد ممانعة مزعومة، سلطة أوسلو. انظروا كم الإهانات والتحقير لها، والقتل والإجرام والتهجير والإبعاد والإبادة الجماعية لشعبنا، كما يحدث بغزة الآن. وانظروا لوطننا العزيز الأردن بعد وادي عربة، كيف تراجع دوره وتردت حالته وزادت مديونيته، حتى وصل الأمر إلى أن يزوده العدو الصهيوني بالمياه الملوثة عام 1997م بدلًا من حصته في المياه كما أقرت صفقة العار، ولولا سوريا الأسد التي زودتنا بالمياه لكنا في حالة يصعب وصفها. وللأسف تركنا سوريا بعد ذلك وحيدة تواجه كل شياطين الأرض، جريًا وراء سلام الأوهام على طريقة كامب ديفيد.

لقد تعلمنا من التاريخ أن السلام لن يكون مع أعداء السلام، ولن يتحقق إذا لم ترَ به الشعوب المعنية مصلحة لها. وهل تحقق السلام بعد الحرب العالمية الأولى بين الحلفاء ودول المحور بعد انتصار الحلفاء ومعاهدة فرساي، عندما أُذلت ألمانيا وإيطاليا، وهما من أعرق الدول الأوروبية تاريخًا وحضارة؟ حيث أفرزت تلك المعاهدة ظاهرة النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا، وهو ما دفعت البشرية ثمنه غاليًا، ملايين الضحايا والمشردين في الحرب الكونية الثانية التي انتهت للأسف بنفس شروط الأولى.

وها هو العالم اليوم يحترق بالحروب والكوارث ومهدد بحرب عالمية ثالثة، لأن السلام أراده من امتلكوا القوة أن يكون استسلامًا للآخرين، وهذا يفرز ردة فعل معاكسة مهما طال الزمن، لأن إرادة الشعوب لا تُقهر.

نعم، إن السلام أمل كل الأمم والشعوب، ولكن السلام العادل المتكافئ، وسلام لا يحقق آمال وطموحات الشعوب سيبقى مجرد مسكنات ومهدئات، ولكن لن يكون سلامًا، خاصة إذا كان مع أعداء السلام، كما هو حالنا العربية، ولا عزاء للصامتين.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين

25% دفعة أولى تعني إعفاءً كاملا من الفائدة .. الضمان يعلن تفاصيل القرار الجديد

طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء

الأردنيون أمام تسعيرة جديدة للذهب .. كم بلغ عيار 21

السعودية تكشف تفاصيل جديدة عن حادثة فلاي دبي .. ماذا حدث لمساعد الطيار؟