«المبدعون عشاقاً» .. الحرية أثمن من الحب
12-10-2026 04:37 AM
من منّا لم يتعاطف مع قيس بن الملوح في جنونه بليلى، أو لم يتأثر بالنهاية المأساوية لأشهر عاشقين روميو وجولييت، وبكل تلك الخواتم التعيسة لمئات العشاق الذين حفظ لنا التاريخ أخبارهم؟ فكيف إذا ما كانوا مبدعين حفظوا لنا بأنفسهم مكابداتهم من خلال رسائلهم أو نصوصهم الإبداعية، ذلك ما اقتفى أثره الشاعر اللبناني والناثر بامتياز شوقي بزيع في كتابه «المبدعون عشاقا.. فتنة اللاممتلك وسحر المنادى الغائب» الصادر عن دار المدى، والذي صدر بعد أخ له سابق بعنوان «زواج المبدعين.. ثراء المتخيل وفقر الواقع»، فالكتاب الأخير كأنه مكمل للكتاب السابق وامتداده الطبيعي. كما تمكن قراءته ككتاب مستقل كما ذكر شوقي في مقدمته.. وهو يتناول مثل سلفه السيرة العشقية لثلاثين ثنائيا من الكتاب والفنانين ارتبطوا بعلاقات غرامية خارج مؤسسة الزواج، 16 ثنائيا من العالم العربي، سبعة منهم من القدماء وتسعة من المعاصرين، وثلاثة عشر زوجا غربيا إضافة إلى فروغ فرخزادة وإبراهيم كلستان الإيرانيين.
ولم يقتصر الكتاب على مشاهير المبدعين العشاق مثل نيشته وجبران خليل جبران ومجنون ليلى والعقاد ودانتي، بل تناول قصص أدباء ليسوا بالشهرة ذاتها كميسترال ووضاح اليمن وذو الرمة، وقد تقارب حجم الفصول المعقودة لكل مبدع عاشق، باعتبار أن هذه الفصول كانت في أصلها مقالات نشرت في جريدة «الشرق الأوسط».
يضع شوقي بزيع لعنوان كتابه الرئيسي عنوانا فرعيا «فتنة اللاممتلك وسحر المنادى الغائب» أعطانا مفتاحه في الاقتباسات التي صدّر بها كتابه، فتفسير جملة «فتنة اللاممتلك» نجدها في كلمة أرنولد بيرنيس «الحب هو شدة إدراك استحالة التملك»، أما جملة سحر المنادى الغائب، فتتكفل بتفسيرها لنا جملة رولان بارت «في الحب لا غياب إلا غياب الآخر». ومن خلال لفظتي اللاممتلك والغائب يهيّئنا الكاتب لقاسم مشترك بين السير العشقية جميعها، يقوم على النهايات التعيسة في المجمل، فليس الزواج وحده مقبرة الحب مثلما كان محور الكتاب الأول، بل طبيعة العلاقة مع المبدع نفسه معقدة فـ»الكتابة والفن المرتبطة في الأعم الأغلب باللاسوية والانحراف السلوكي والانفصال عن الواقع»، وكثير من المبدعين ذوو شخصيات غير سوية.
في مقدمة الكتاب التي امتدت على مساحة عشرين صفحة تعرض شوقي لقضايا عدة مثل أسباب نجاح وإخفاق عشق المبدعين، ودور الحرمان في تحفيز الإبداع، والتلذذ المازوشي للمبدعين بمكابدات العشق «كلما آنسوا سكينة مولدة للضجر»، كما تعرض للفكرة المحورية في كتابه السابق، التي نجدها مبثوثة في أغلب فصول هذا الكتاب وهي، أن «المؤسسة الزوجية التقليدية التي عَثر من خلالها البشر على ما يكفل لهم بناء الأسرة وحفظ النوع وتأمين دورة الخلق، ليست الحاضنة الأمثل لمواهب أحفاد بروميثيوس سارق النار الإلهية، ولا لأمزجتهم العصية على التدجين». والمفارقة التي تضعنا في حيرة أن شوقي بزيع أهدى كتابه إلى والديه «اللذين عشق كل منهما الآخر لثلاثة وستين عاما، أنجبا خلالها ستة أبناء وبنات ثلاثا، ثم تابعا رحلة العشق في قبرين متجاورين». وكأنه يقدم لهؤلاء العشاق بطريقة غير مباشرة ثنائيا نموذجيا استمر عشقه حتى النهاية الحتمية لكل إنسان، رغم أن الحب في رأي بزيع حين يطول به الزمن يقع في مزالق الزواج نفسها «فيقع فريسة التأسن والرتابة وتثاؤب الزمن، والدوران المضجر حول الطقوس نفسها والبكم ذاته».
ويبقى السؤال قائما بعد أن حشد شوقي بزيع ما استطاع من براهين نظرية وعملية في كتابه «زواج المبدعين.. ثراء المتخيل وفقر الواقع» على أن الزواج صفقة خاسرة للمبدع محكوم عليه سلفا بالفشل لأن «الكتّاب والفنانين.. لا يستطيعون التنازل لأحدهم عن حصتهم الكاملة من الحرية، فهم يجدون ضالتهم المنشودة في الحب والعشق الخاليين من كل قيد»، فهل هذه «الكوكبة من المشتغلين بالكتابة والفن، الذين تعذر عليهم الزواج ممن يحبون، أو الذين عثروا على ضالتهم خارج الأقفاص الضيقة للمؤسسات» نجحوا في غرامياتهم؟ ولكي نكون منصفين يمكن لأي باحث أن يكتب كتابا مناقضا لطرح كتاب شوقي بزيع عن الزيجات الناجحة بين المبدعين، ويحشد أمثلة مثل زواج طه حسين وسوزان بريسو الذي استمر 56 عاما، والشاعر روبرت براوننغ وزوجته إليزابيث، وعشرات الزيجات الفنية والأدبية، فتعارض الزواج الناجح مع الإبداع ليس حتمية تاريخية ينجم عنها كما كتب شوقي أن «المرأة المعشوقة سرعان ما يبطل سحرها في حالة الزواج، ليحل محله نوع من الواقعية الفظة أو الموت المطبق».
ودفاع شوقي عن هذه الفكرة دفاع جمالي لغوي يعتمد على الصياغة البلاغية الفاتنة لا الحقيقة التي تؤيدها الوقائع، يقول بلغته الشعرية «الفن والحياة يمكن أن يناما على سرير واحد، شرط أن لا يكون هذا السرير هو السرير الزوجي»، فهل تثبت هذه الجملة التي تصلح للاقتباس أمام الأدلة الإحصائية؟ أشك في ذلك.
وحتى النماذج التي اختارها في هذا الكتاب والتي آثرت العشق المتفلت من مؤسسة الزواج، سعى بعضها إلى الزواج وحين فشل في تحقيقه وقف ضده، فكافكا الذي كان صاحب موقف سلبي من الزواج وإنجاب الأطفال كما ذكر بزيع، دوّن في يومياته قبل رحيله بقليل أنه يغبط المتزوجين على سعادتهم، ونيتشه الذي كتب في «هكذا تكلم زرادشت»، على لسان امرأة عجوز «أتذهب إلى النساء؟ لا تنسَ السوط!» هو نفسه من كتب لماتيلده ترامباخ «حشّدي كل شجاعة قلبك حتى لا تخافي من السؤال الذي سأطرحه عليك: هل ستكونين زوجتي»، ولكنه حين لم يجد عندها جوابا كتب إلى صديقه على طريقة الذي لم يَطَل العنب قال إنه حامض، «إنني لن أتزوج ففي التحليل الأخير أشعر بأنني أكره القيود والارتباط بالنظام المتحضر للأشياء»، بل ألصق العيب بالمرأة حين أردف قائلا، «يصعب وجود امرأة ذات عقل سمح قادرة على متابعته»، ومع هذا أعاد طلب يد ماتلدة للزواج!
قصص كثيرة أوردها شوقي بزيع في كتابه عن علاقة الإبداع بالعشق، وتفضيل المبدعين لحريتهم الشخصية على مؤسسة تقيد الحرية وتثير الضجر، فإلياس أبو شبكة كان كما وصفه شوقي بزيع غير آبه «للجانب الشرعي من علاقته بالمرأة بقدر ما كان يهمه البحث عن الطاقة الخلاقة التي تمده بأسباب الكتابة»، أما العقاد فقد أحجم طيلة حياته عن الزواج «لأنه رأى في تلك المؤسسة من القيود والتنازلات ما لا يستطيع احتماله»، وأغرب حجة للتملص من هذا الالتزام ما برر به الفيلسوف الدنماركي كيركغارد عدم زواجه بحبيبته ريجينيه أولسن قائلا، «لو لم أكن أشد حماسا لصون شرفها من شرفي الشخصي لآثرت الصمت وسمحت لنفسي بالزواج منها». ولكن هل نتج عن كل هذه الأعذار الصحيح منها والمختلق لتجنب الزواج حب مثالي -إن صح التوصيف- أم حالت عوامل أخرى دون نجاح هذا العشق الحر، فالفوارق الجوهرية بين إبراهيم كلستان وفروغ وقفت عائقا دون اكتمال حبهما، فهو رئيسها وهي مرؤوسته في العمل، يكبرها باثني عشر عاما، هو متزوج وهي مطلقة، هو سياسي عريق وهي شاعرة فقيرة الحال، لذلك قال هذه الجملة الموجعة «لم يكن لديها شيء لتعطيني إياه سوى الحب»، كما اصطدم عشق المبدع بنماذج خائنة بمقاييس نسوية مثل هيدغر الذي «لم يتوان بموازاة علاقتيه المعروفتين بزوجته وأردنت من نسج علاقات أخرى مع مازغوت فون ساكسون وصوفي بودفليس ومارلينا بوتشر ودوروتي فييتا وكثيرات غيرهن»، أو بفارق سن فلكي يحول دون اكتمال العشق فالشاعر الألماني غوته بعد أن ارتبط بقائمة طويلة من العشيقات هام بفتاة في عمر أحفاده يكبرها بأكثر من نصف قرن، ومع ذلك رغب في الزواج منها لكنها رفضته. يخرج قارئ الكتاب بغير قصد الكاتب بصورة سيئة عن هؤلاء المبدعين: فبودلير منحرف شاذ ذو ميول مثلية مصاب بالسفلس، وكيرغارد أيضا أصيب بالسفلس، نيتشه جنّ، أما هاينه فمصاب بالزهري وغسان كنفاني مازوشي يكتب لغادة السمان «قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد».
يتجلى من قراءة كتاب المبدعون عشاقا لشوقي بزيع، جهد بحثي كبير خففت من جفاف المعلومات لغة شعرية رشيقة وبناء محكم أشبه برواية، غير أن وقائعها صحيحة وأبطالها حقيقيون وتلك متعة الأدب، وتخرج قارئات الكتاب وخاصة حاملات تاء التأنيث بانطباع أن شوقي الشاعر كتب هذا الكتاب ليقنعنا بما قاله بودلير الشاعر «أنا لا أتمنى لك يا جميلتي أن تكوني محبوبة شاعر، حتى لو كان أعظم الشعراء، لأن الحياة مع هذا الصنف من البشر عذاب حقيقي تلوح من ورائه في بعض الأحيان سعادة فائقة يوفرها الحب».
غزة بعد ثلاث سنوات: حصاد الإبادة وسقوط السرديات والضمير
الأمّة بين أسباب الركود وشروط النهوض
«المبدعون عشاقاً» .. الحرية أثمن من الحب
رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا ومجلس العمداء باستقبال الطلبة المستجدين
وزير التربية يبحث مع وفد عراقي تعزيز التعاون
وفاة و11 إصابة باعتداء استهدف مطار الملك خالد
تنويه لشركات الطيران الأميركية بتوخي الحذر عند السفر إلى السعودية
وُجد متوفياً في سريره .. فاجعة تهز أسرة الفنانة أحلام
الجلاجل يتفقد مصابي هجوم مطار الملك خالد
أمطار غزيرة وتحذيرات جوية تشمل مناطق أردنية
وزيرا خارجية السعودية وإيران يبحثان التصعيد بالمنطقة
الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع
بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟
إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟
الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة
أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن
قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي
شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل
جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون
جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة
يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا
الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض
100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل
ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين
