آن كارسون: المجد للشعر أوّلا

آن كارسون: المجد للشعر أوّلا

19-10-2026 04:53 AM

قبل ستين سنة عثرت مراهقة كندية في الخامسة عشرة من عمرها في مركز تجاري بأونتاريو على طبعة ثنائية اللغة (إنكليزية/يونانية) لشعر الشاعرة الغنائية اليونانية سافو، فقررت البنت تعلم اللغة اليونانية لتقرأ قصائد هذه الشاعرة التي وصفها أفلاطون بربة الإلهام العاشرة بلغتها الأصلية. ولحظِّها كانت أستاذتها للغة اللاتينية أليس كوان تجيد اليونانية، فعرضت على الفتاة المراهقة المولعة بشعر سافو أن تعلمها اليونانية خلال استراحة الغداء. واستمر هذا الشغف بسافو وباللغة اليونانية متقدا في صدر الفتاة، حتى تخصصت في الكلاسيكيات (دراسة العالم اليوناني والروماني) ونالت عنها شهادة دكتوراه، ولم يكن مستغربا أن أطروحتها كانت عن سافو، وتَرجمت في ما بعد أشعار سافو في كتاب بعنوان «إن لم يكن، شتاءً: شذرات من شعر سافو». والخبر الجميل أن تلك المراهقة الكندية التي تدعى آن كارسون حصلت هذه السنة على «جائزة نوبل في الأدب» أرفع تقدير عالمي، بعد ستة عقود من لقائها الأول بأشعار سافو، وكتب أندرس أولسن رئيس لجنة نوبل في صفحة المؤسسة الرسمية، «ويمكن اعتبار ترجماتها من اليونانية الكلاسيكية أعمالا مستقلة بحد ذاتها. ومن بين هذه الأعمال تفسيرها لأجزاء من قصائد سافو».

ليس استلهام التراث اليوناني وضخ دم جديد فيه وحده ما أعطى آن كارسون هذه المكانة الأدبية، التي أوصلتها إلى نوبل، فأهم ما يميز كتاباتها – وهي التي تنسب بكثير من التجاوز إلى جنس الشعر- أنها أزالت الحدود بين الأجناس الأدبية، لم يكن ذلك اعتباطا، أو رغبة في التجريب لأجل التجريب، بل إن طبيعة ثقافتها الموسوعية وطبيعة الموضوعات التي تكتب عنها استوجب منها هذا الدمج بين الشعر والرواية والفلسفة والبحث الأكاديمي، ويمكن أن نتلمس ذلك من خلال روايتها «سيرة ذاتية للأحمر» (ترجمها مأمون الزائدي سنة 2017 إلى العربية وصدرت عن دار نينوى) فقد استحضرت كارسون شخصية الوحش جيرون من أسطورة هرقل، ولكنها أخرجته من الصورة المترسخة عنه، حين يقتله هرقل في مغامرة بطولية، وجعلت منه فتى أحمر ذا أجنحة، حساسا عاش طفولة مؤلمة ولجأ إلى التصوير الفوتوغرافي ليعبر عما في داخله ويقع في الحب، فأنسنت كارسون هذا الوحش وجعلت قارئها يتعاطف معه، إضافة إلى هذا التمايز في المضمون بين الأسطورة وتَمثُّل كارسون لها، هناك تمايز آخر في بناء الرواية نفسها التي كُتب على غلافها رواية شعرية، فقد اتخذت كارسون من قصيدة الشاعر اليوناني ستيسكوروس عن شخصية جيرون منصة انطلقت منها، وضمّنت كتابها شذرات من القصيدة، حتى يبدو كأنه بحث عن الشاعر وقصيدته المغناة، ثم ينتقل إلى الحكاية الشعرية، وتعود في نهاية كتابها إلى محاورة متخيلة مع الشاعر القديم. فنجد أنفسنا نقرأ رواية لها شخصيات وأحداث وتطور عاطفي، مكتوبة في ما يشبه القصيدة بصورها وإيقاعها وتكثيفها مع صفحات أشبه بالبحث الأكاديمي القائم على ترجمة نص يوناني. وهذا المزج الذكي نجده في عمل آخر لها بعنوان «إيروس الحلو/المر» (ترجمه عبد الرحيم يوسف إلى العربية سنة 2024 ونشرته دار صفصافة) ففيه تناغم محبوك بين البحث الأكاديمي (والكتاب في أصله مستمد من أطروحتها للدكتوراه) والحساسية الشعرية، فانطلاقا من وصف سافو للحب بأنه حلو ومر في الوقت نفسه تتبع كارسون هذا التناقض الوصفي في الشعر والفلسفة اليونانيين. فلا تقدم لنا بحثا علميا صارما ولا قصيدة عاطفية عن الحب، بل «تستخدم التحليل اللغوي والفلسفي لتجعل القارئ يفكر في الحب بوصفه تجربة إنسانية وفكرية معا» ويمزج كتابها التحليلَ الدقيق باللغة التأملية حينا والشاعرية حينا آخر، وهذا ما عنيناه بمحو الحدود بين الأجناس، ورفض الفصل الصارم بين البحث الأكاديمي والإبداع الأدبي.

قصة جيرون تقودنا إلى خاصية أخرى نفهم منها مشروع آن كارسون الأدبي، تظهرها المفارقة التالية: فهي متخصصة أكاديميا درَست وتدرّس الأدب اليوناني القديم، لكن لها الجرأة الكافية على أن تتمرد على قداسته وتغير زوايا النظر إليه، فلم تبق حبيسة فكرة أن النصوص الكلاسيكية لا يجوز المساس بها، بل نحافظ عليها كما هي ومهمتنا شرحها فقط، بل اعتبرت كارسون هذا التراث آثارا حية تحاورها وتعيد قراءتها من منظور حديث، بل وتعيد تشكيلها، وليس لكارسون طريقة واحدة لا تحيد عنها في مواجهة النصوص القديمة فحينا تخترع شخصيات من عندها، وحينا آخر تعيد صياغة لغتها. وتفاجئنا حينا ثالثا حين تحافظ بدقة على الأصل حتى على الفراغات التي خلّفها الزمن، وهذا ما فعلته في ترجمتها لشذرات سافو، فهي لم تحاول إكمال النقص في الأبيات المبتورة لتصبح قصائد متماسكة، بل ترجمت ما بقي من نصوص سافو واستخدمت الأقواس والفراغات لتحديد أماكن الكلمات، التي ضاعت فأصبح البياض جزءا من القصيدة. فقد تعاملت مع النص على أنه جزء من تاريخ النص، لا عيبا ينبغي إخفاؤه. بعكس ما فعلته مع مأساة «أنتيغونا» لسوفوكليس، حيث أعادت معالجة المسرحية محافظة على خط الصراع الأساسي فيها: شابة تصرّ على دفن أخيها رغم حظر الملك، وتدفع حياتها ثمنًا لذلك، لكن كارسون تكتب النص بلغة معاصرة، فيها مفارقات ساخرة وإشارات إلى مسرحيات لاحقة وقراءات لتلك المسرحيات فتستحضر مثلا المسرحي الإيرلندي صامويل بيكيت في ربط مقصود بين المسرح القديم والمسرح الحديث، كما تضيف شخصية «نيك» التي تظل تقيس الأشياء، ما يجعل القارئ يعيش وعيا مستمرا بأنه يقرأ نصا قديما عبر وسيط حديث، «فبدل أن توهمنا آن كارسون بأننا نسمع صوت سوفوكليس وحده، نسمع أيضا صوت المترجمة التي قرأت المسرحية بعد قرون من التأويلات الفلسفية والمسرحية». وقد رأينا صنيعها في أسطورة الوحش جيرون وهرقل، فتعاطفها مع الوحش الذي أنسنته وجعلته عاشقا يقودنا إلى سؤال جوهري هل يظل هرقل بطلا في أعيننا حين نسمع حكاية من آذاهم. ففي الحقيقة هرقل هو المعتدي على جيرون وأرضه. ولكن التاريخ يكتبه المنتصر دائما.

ذكرنا أن آن كارسون في ترجمتها لشذرات سافو تركت النقص في النصوص كما هو ولم تحاول اقتراح بدائل تملأه، وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق هل مهمة المترجم، أو الباحث أن يملأ الفراغات في النص، أو يتركها مفتوحة فلعل القارئ يشارك في إنتاج المعنى. وقد تعاملت كارسون بطرق شتى مع النص، ففي الشذرة 145 لم تثبت سوى عبارة قصيرة جدا، من دون محاولة ترميمها لتصبح قصيدة مكتملة، فكأنها تركت للقارئ أن يقرأ الكلمات التي نجت ويحاول تخيل الكلمات المفقودة، بل ليس مطالبا بإصلاح ما أفسد الدهر، فالزمن شارك في كتابة القصيدة بمحو قسم منها «فالنقص لا يجعل القصيدة أقل حضورا، بل يجعل تاريخ ضياعها حاضرا داخل قراءتنا لها». وتبدو فكرة النقص في كتاب آخر لآن كارسون نشرته سنة 2010 بعنوان «NOX» وهي كلمة لاتينية تعني الليل، فسنة 1978 هرب مايكل أخو الكاتبة من كندا وتنقل بين أوروبا والهند تحت أسماء مستعارة إلى أن توفي سنة 2000 في كوبنهاغن وكان على وشك اللقاء بأخته، وقبل ذلك كان تواصله مع العائلة نادرا. ولتكملة هذا النقص شرعت كارسون في صنع دفتر ذكريات تلصق فيه صورا عائلية وقصاصات رسائل وذكريات وكتابات، وترجمتْ فيه القصيدة 101 للشاعر الروماني كاتولوس التي رثى فيها أخاه. تفكّك كارسون كلماتها اللاتينية وتستكشف معانيها، بالتوازي مع محاولتها فهم حياة أخيها. وقد طُبع الدفتر بطريقة تحاكي شكله الأصلي أي شريط ورقي مطويّ كالأكورديون داخل علبة، يحتفظ بصريا بآثار القصّ واللصق والتمزّق. في محاولة لاستكمال صورة كانت وستبقى ناقصة لأخ غادر وترك وراءه كثيرا من الفراغات. فالنقص ليس احتفاء بالغموض فحين تحتفظ كارسون بفراغات سافو لا تنتظر من القارئ ملء هذه الفراغات، بل تبدي صيغة احترام للنص كما هو، حيث كماله في نقصه. وفي NOX لا يستطيع القارئ اختراع حياة متخيلة لأخيها من الرسائل والصور كما لم تفعل هي، بل هي تحارب فكرة الغياب بما تبقى من حضور. وهذا ما صنع من آن كارسون صوتا لا يشبه غيره، كان تتويجه بجائزة نوبل انتصارا لثالوث مقدس: المرأة والشعر والتجريب.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد