​من المحفظة إلى الميدان: ​حين يتكلم الشارع اقتصاداً

​من المحفظة إلى الميدان: ​حين يتكلم الشارع اقتصاداً

20-10-2026 04:45 PM

​ما يحدث في الشوارع الأوروبية اليوم ليس مجرد صدمة أسعار عابرة أو ردود فعل عشوائية، بل هو تطبيق حي وملموس لنظريات علم الاجتماع التي درست عبر عقود طبيعة الصراعات والأزمات داخل المجتمعات.

فإذا أردنا أن نفهم الصورة بوضوح بعيداً عن الجفاف الأكاديمي، نجد أن التراجعات المعيشية المباشرة التي تمس جيب المواطن وكرامته اليومية هي المحرك الأساسي؛ حيث يواجه المواطن في فرنسا وإيطاليا تآكلاً متسارعاً لرواتبه أمام أسعار تلتهم كل شيء، وهو ما تشرحه نظرية الحرمان النسبي ؛ فالغضب لا ينشأ من الفقر المطلق فحسب، بل من الفجوة المؤلمة بين ما اعتاد الأفراد على استحقاقه وما يجدونه في محفظتهم نهاية الشهر، ليكون النزول إلى الشارع بمثابة دفاع غريزي عن الهوية الطبقية ومحاولة للذود عن نمط الحياة المعتاد.

​وفي الوقت نفسه، تتجلى نظرية السلوك الجماعي والإجهاد الهيكلي في حالة الأجيال الشابة والطلاب في ألبانيا وبعض المدن الإيطالية، حيث أدت صعوبة الحصول على السكن، وارتفاع رسوم التعليم، وانسداد أفق العمل، إلى إيجاد ضغط هيكلي طويل الأمد ولد قناعة راسخة بوجود إخفاق حكومي وفشل في إدارة الأزمة، وما إن ظهرت الشرارة المتمثلة في القرارات الاقتصادية ورفع الرسوم حتى تحول التذمر الصامت إلى انفجار ومواجهات علنية في الساحات.

​وهذا الانفجار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بخرق العقد الاجتماعي وتآكل الشرعية؛ فعندما تتحدث الحكومات عن توازنات مالية وخطط استراتيجية بينما يعجز المواطن عن تلبية متطلبات بيته الأساسية، يدرك الشارع أن السلطة خرقت العقد الضمني الذي يضمن العيش الكريم مقابل الالتزام بالقوانين ودفع الضرائب، مما يفقد الحكومة شرعيتها الأخلاقية والإنجازية ويجعل الشارع الوسيلة الوحيدة للتعبير عن سحب الثقة.

​وحين يبلغ هذا الاحتقان ذروته وتنفلت الأمور عن السيطرة، يظهر سلوك التكسير والسرقة وتخريب المحلات التجارية كجزء من سوسيولوجيا الحشد وانفلات العقال الأخلاقي الفردي. غير أن الانقسام السلوكي الحاد بين من يندفعون لسرقة المحلات وبين من يرفضون هذا السلوك ويمنعونه يطرح سؤالاً عميقاً يفسره علم النفس الاجتماعي بتباين "منظومة الضبط الداخلي والأطر الأخلاقية"؛ فالذين ينخرطون في النهب يعانون غالباً من غياب التماثل مع النظام الاجتماعي، ويجدون في حالة الفوضى فرصة لتفريغ شحنات من العدمية والانتقام الاقتصادي من خلال ما يُعرف بـ الذوبان الأخلاقي داخل الحشد، حيث يُسقط الفرد مسؤوليته الذاتية ويعتبر النهب تعويضاً مشروعاً عن حرمانه. وفي المقابل، يمتنع الأغلبية ويرفضون السرقة لأنهم يحملون "وعياً احتجاجياً رسالياً"، يرون فيه أن التخريب يفرغ قضيتهم العادلة من مضمونها الأخلاقي ويحولهم في نظر المجتمع من أصحاب حق إلى جماعات إجرامية، فضلاً عن ثبات منظومتهم القيمية والردع الذاتي الذي يحمي السلوك الفردي حتى في أعتى لحظات الفوضى الجماهيرية.

​وفي قلب هذه التحركات الغاضبة، تبرز ظاهرة ملفتة تتمثل في وجود متظاهرين يرتدون الأقنعة ويرقصون أو يغنون في الميادين، وهي ظاهرة تشرحها سوسيولوجيا الفن والاحتجاج ومفهوم "الكرنفالية السياسية"، فالقناع يؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهو حماية أمنية من التقنيات الرقابية والملاحقات الرقمية، ولكنه أيضاً رمز لإسقاط الهوية الفردية لصالح الهوية الجماعية المحتجة، حيث يتساوى الجميع خلف القناع ويزول التمايز الفردي.

أما الرقص والغناء وسط الدخان وشعارات الغضب، فهما ليسا عبثاً ولا ترفاً، بل أدوات مقاومة رمزية تُسقط هيبة السلطة وتحول الخوف السائد إلى "بهجة تمرد جماعية"؛ فالغناء يرفع الروح المعنوية للحشد ويخلق تماسكاً وجدانياً، والرقص يُحوّل الأجساد المتعبة من الأزمة الاقتصاديّة إلى طاقة رفض حركية تُربك الرواية الرسمية التي تحاول تصوير الاحتجاج كشغب أعمى، محولة الميدان إلى مسرح مفتوح يمتزج فيه الألم بالقوة والرفض الفني.

​ويكتمل هذا المشهد بما تُسميه نظرية تعبئة الموارد بـ "عدوى الاحتجاج" عبر الشبكات والتواصل، حيث يرى العمال والشباب في دول أوروبا المختلفة أن تحركات الشارع في دولة مجاورة تفتح نافذة فرص سياسية وضغطاً إعلامياً نادراً، مما يحفزهم على تنظيم صفوفهم ونقل التجربة إلى ميدانهم المحلي.

​وتثبت هذه الموجة الاحتجاجية الشاملة في النهاية أن الشارع ليس غاية في حد ذاته، بل هو العَرَض الأبرز لمرض أعمق يصيب هيكل الاقتصاد والمجتمع.

إن اختزال ما يجري في الميادين الأوروبية في مجرد أحداث شغب أو ممارسات منفلتة هو قراءة قاصرة تتجاهل الجذور الحقيقية للأزمة؛ فالشعوب لا تتخلى عن استقرارها اليومي وسكينتها بسهولة، بل تُدفع إلى الساحات دفعاً حين تتآكل قدرتها على الصمود أمام غلاء المعيشة وانهيار التوقعات.

والدرس الأكثر قيمة الذي تقدمه سوسيولوجيا الاحتجاج لصناع القرار اليوم هو أن الحلول الأمنية والمسكنات المالية المؤقتة لا يمكنها ترميم عقد اجتماعي تصدع بسبب التضخم وغياب العدالة؛ فالاستقرار المستدام لا يُبنى على صمت الغاضبين، بل على قرارات شجاعة تُعيد التوازن للأجور، وتصون الخدمات الأساسية، وتُشرك الأجيال الشابة في صناعة المستقبل.

وفي النهاية، سيبقى الشارع ميزاناً حساساً ومرآة كاشفة: كلما اتسعت الفجوة بين وعد السلطة وواقع المحفظة، كلما ظل الصوت الأعلى في المجتمع مِلكاً للميدان.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الخدمات الطبية والجامعة الهاشمية توقعان ملحق اتفاقية تعاون تدريبي وأكاديمي

خبراء: الذكاء الاصطناعي أسهم بتحسين جودة الحياة اليومية للإنسان

اتفاقية دعم تشغيلي لإطلاق خط جوي مباشر بين موسكو والعقبة

انخفاض جديد على أسعار الذهب في السوق المحلي

متى يعود ستاد الحسن؟ .. وزارة الشباب تحدد المدة المتبقية

زراعة إربد تعلن فعاليات مهرجان الرمان الـ 18

المخابز الأردنية المتنقلة في غزة تنتج أكثر من 69 مليون رغيف خبز

العقبة تستعد لختام سباق هيئة أجيال السلام في آيلة

وزارة الثقافة تنظم "يوما ثقافيا شاملا" في مدرسة الزميلة الثانوية

Orange Money تتصدر المحافظ الإلكترونية في الأردن بإتاحة خدمات "ويسترن يونيون" بالتعاون مع مشربش

الدكتور أحمد الفاعوري يؤدي اليمين القانونية أمام الملك محافظا لجرش

موجودات صندوق استثمار أموال الضمان ترتفع إلى 20.1 مليار دينار بنمو 8 بالمئة

من المدرسة إلى الجامعة… استقبال الطلبة الجدد مسؤولية تربوية لا مراسم احتفالية .. !

​من المحفظة إلى الميدان: ​حين يتكلم الشارع اقتصاداً

إربد: إنجاز 60 بالمئة من أعمال تأهيل أرضية ستاد الحسن للشباب

خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش

عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر

خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل

ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء

اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل

لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟

تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد

عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن