الدغمي يفتح السؤال الوطني: كيف نبني دولة الشراكة ونحصّن الأردن من الهشاشة
21-10-2026 08:16 PM
حين تضيق المؤسسات بالنقد، تتسع المسافة بينها وبين المجتمع. وحين يشعر المواطن أن مشاركته لا تغير شيئاً، تصبح استعادة ثقته أصعب من دعوته إلى الصمت. من هنا أقرأ ما أثاره مقال عبد الكريم الدغمي عن الأحزاب والبرلمان، وما رافقه من حديث عن حذفه: بوصفه مناسبة لمناقشة مستقبل المشروع الوطني الأردني، وقدرتنا على الانتقال من إدارة الاستقطاب إلى بناء المؤسسات وتعزيز التماسك المجتمعي.
أكتب بدافع الحرص على الأردن؛ على دولته وسيادته وأمنه، وعلى حق أبنائه في مؤسسات عادلة وفاعلة. وأؤمن بأن حماية الدولة تقتضي معالجة ما يضعف ثقة الناس بها، وأن الإصلاح المبكر أقل كلفة من ترك الاختلالات تتراكم حتى تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
وتربطني بالسيد عبد الكريم الدغمي روابط النسب والمصاهرة والجيرة، باعتباري من سكان المفرق المعتزين بأهلها وتاريخها. لكن هذه الروابط لا تغير معيار الحكم على الأفكار والمواقف: الموضوعية، والأمانة، والمصلحة الوطنية. نتفق معه في كثير، ونختلف معه، ربما، في أكثر؛ وتبقى صلاتنا الإنسانية أوسع من خلافاتنا السياسية، ويبقى الوطن فوق الجميع.
والدغمي وزير سابق، ونائب ومشرّع مخضرم، ورئيس أسبق لمجلس النواب، وشيخ عشائري وشخصية وطنية ذات تجربة طويلة. وهذا يمنح كلامه أهمية، ويمنحه في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة عن تفسير التجربة وتقديم البدائل. فالخبرة لا تعفي صاحبها من النقد، كما أن الاختلاف معه لا يبرر تجاهل الأسئلة التي يطرحها.
في مقاله عن حضور الأحزاب وغياب الحياة الحزبية، انتقد الدغمي ما يراه تدخلات تحد من استقلال العمل السياسي، وتوقف عند عبارة «هيك التوجه» باعتبارها جواباً يغلق النقاش بدلاً من تفسير القرار. هذه روايته وتقديراته، وهي تستحق الفحص والرد بالوقائع، لا اعتمادها أحكاماً نهائية ولا إقصاءها من النقاش العام.
وربما قال الدغمي ما يجول في خاطر كثيرين لا يجرؤون على قوله بالوضوح نفسه. لا أزعم امتلاك قياس للرأي العام يؤكد ذلك، لكنني أرى أن الأسئلة المتعلقة بجدوى المشاركة واستقلال المؤسسات تستحق الإصغاء. فالمجتمع الذي يُسأل عن رأيه ثم لا يرى أثراً له، قد ينتقل من المشاركة إلى اللامبالاة، ومن اللامبالاة إلى فقدان الثقة.
وتعلمنا تجارب العالم العربي أن إضعاف المؤسسات الجامعة لا يترك المجتمع في حالة حياد؛ بل يدفعه إلى البحث عن الحماية والفرص في دوائر أضيق. وعندما تتراجع مرجعية القانون، تتمدد مرجعيات السلاح والمال والعصبية، ويصبح الانتماء إلى الجماعة طريقاً للحصول على ما كان ينبغي أن تكفله المواطنة.
نرى صوراً مختلفة لهذه المأساة في اليمن والسودان والصومال وليبيا، وغيرها من البلدان التي عانت الحروب والانقسام والهشاشة. ولا يجوز اختزالها في سبب واحد أو مساواة مساراتها؛ فلكل منها تاريخ وبنية وصراعات خاصة. لكن المقارنة تكشف خطورة تفتت السلطة، وتعدد مراكز القوة، وضعف المؤسسات القادرة على تمثيل المصالح وتسوية الخلافات.
في اليمن، ارتبط تفكك الدولة بتداخل الصراع الداخلي مع التدخلات الخارجية واقتصاد الحرب. وفي السودان، تكشف الحرب فداحة انتقال التنافس على السلطة إلى مواجهة مسلحة تدفع المجتمعات ثمنها. وفي ليبيا، يوضح استمرار الانقسام صعوبة إعادة جمع القرار والمؤسسات بعد توزع القوة. أما الصومال، فتذكرنا تجربته الطويلة بأن إعادة بناء الدولة تحتاج إلى أكثر من الاعتراف الدولي بها.
ولا أستحضر هذه الحالات لإخافة الأردنيين من المطالبة بالإصلاح، أو للإيحاء بأن الأردن يقف في الموقع نفسه. للأردن تجربته ومؤسساته ومصادر منعته. إنما أستحضرها للتأكيد أن صيانة هذه المنعة تستلزم تطويرها، وأن الوقاية من الهشاشة تبدأ بتقوية العلاقة بين الدولة والمجتمع، قبل أن تتسع فجوات الثقة والعدالة والتمثيل.
وفي المقابل، يقدم العالم تجارب تثبت أن المأساة ليست قدراً دائماً. فقد استطاعت رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، إعادة بناء قدر معتبر من مؤسساتها وخدماتها وتحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي. وتفيد تجربتها في فهم قيمة استمرارية السياسات، والاستثمار في الإنسان، والقدرة التنفيذية، مع بقاء أسئلة المشاركة والحقوق وعدالة توزيع مكاسب النمو ضرورية لتقييم أي تعافٍ.
كما تقدم بنغلادش تجربة مهمة في تجاوز جوانب من الفقر والهشاشة، من خلال التصنيع والتصدير والتعليم والعمل المجتمعي وتحسين الخدمات. لكنها ليست نموذجاً اكتمل أو أصبح بمنأى عن الانتكاس؛ فالتحديات الاقتصادية والحوكمية التي تواجهها تؤكد أن الإنجاز التنموي يحتاج باستمرار إلى مؤسسات تحميه وتوزع ثماره بعدالة.
والدرس من هذه التجارب وغيرها أن التعافي لا يتحقق بتركيز السلطة وحده، ولا بكثرة المؤسسات على الورق. إنه يحتاج إلى سلطة ينظمها القانون، وقدرة تنفذ السياسات، وشرعية تتجدد بالعدالة والتمثيل والإنجاز. فإذا اختل أحد هذه الأبعاد، أصبح التقدم أقل قدرة على الصمود أمام الأزمات.
وهذا يعيدنا إلى الأردن. فالمطلوب أن ينتقل مشروع التحديث من النصوص إلى الممارسة: أن يستطيع البرلمان ممارسة التشريع والرقابة، وأن تعمل الأحزاب باستقلال ومسؤولية، وأن تتحمل الحكومة تبعات قراراتها، وأن يجد المواطن مساراً واضحاً للاعتراض والتظلم والحصول على المعلومة.
لا تُقاس فاعلية المؤسسة بعدد اجتماعاتها أو بياناتها، بل بقدرتها على حل المشكلات وتصحيح الأخطاء. ولا تُبنى الثقة بدعوة الناس إلى الاطمئنان، بينما يرون أن الواسطة أقوى من الكفاءة، أو أن صلات القربى أقرب إلى الفرصة من التنافس العادل.
ومن هنا، فإن الانتقال من الهيمنة على المجتمع إلى الشراكة معه ضرورة لبناء الدولة. الشراكة تعني الاعتراف بالمواطن صاحب حق ورأي ومبادرة، وبالجامعات والنقابات والبلديات والأحزاب والمجتمع المدني أطرافاً تسهم في صناعة السياسات ومراقبة نتائجها.
ولا أرى أن معالجة تعثر الحياة الحزبية تكون بالعودة إلى الوراء. فإذا كان الخلل في استقلال المؤسسات وشروط المنافسة، فإن تغيير الصيغة الانتخابية وحده لن يزيله. الأجدى تقييم التجربة وتصحيح قواعدها، ومحاسبة الأحزاب على برامجها وأدائها، ومنح المجتمع فرصة حقيقية لاختبار المشاركة ونتائجها.
كما أن احترام الدور الوطني للمؤسسات الأمنية يقتضي وضوح الاختصاصات والمسؤوليات، وحماية المجال المدني الذي تعمل فيه المؤسسات السياسية وفق القانون. فالدولة تزداد قوة عندما تؤدي كل مؤسسة وظيفتها، وتصبح القرارات قابلة للتفسير والمساءلة، ويعرف المواطن أين يطالب بحقه ومن يتحمل مسؤولية الاستجابة.
والتماسك المجتمعي ليس إجماعاً مصطنعاً يلغي الاختلاف. إنه اطمئنان الناس إلى أن خلافهم لا يسقط حقوقهم، وأن القانون يحميهم بالتساوي، وأن الفرص لا توزع بحسب الولاء. وللعشائر، بما تختزنه من تضامن، أن تسند هذا البناء حين تعزز المواطنة وسيادة القانون، دون أن تحل محل المؤسسات في توزيع الحقوق والخدمات.
إن إضعاف المؤسسات الوطنية يضعف المجتمع، ويزيد قابلية الانقسام، ويوسع الثغرات التي قد تستثمرها قوى خارجية. أما تحصين السيادة، فيبدأ من الداخل: من عدالة تحمي المواطن، واقتصاد يمنحه فرصة، ومؤسسات تتيح له المشاركة، وثقة تجعله شريكاً في الدفاع عن دولته ومستقبلها.
ما أثاره الدغمي يستحق أن يتحول إلى نقاش وطني مسؤول، يتجاوز الاصطفاف معه أو ضده. والأردن الذي نريد يستحق أن نستثمر خبراتنا وخلافاتنا في تحسين مؤسساته، وأن نجعل من النقد مدخلاً للتصحيح، ومن المشاركة أساساً للمنعة.
فالدولة الأقدر على البقاء هي التي يجد مواطنوها مصلحتهم وكرامتهم في قوتها، ويشعرون أن مستقبلها مشروعهم المشترك.
منها الحشيش الأفغاني والهيدرو .. مناطق تشهد نشاطاً في التهريب
التوثيق الملكي يشارك في إحياء يوم الوثيقة العربية
طلاب في البلقاء التطبيقية يطالبون بتعزيز خدمة النقل على خط التردد السريع
بعد استبدال زيت أردني بتونسي في إربد .. هل تُكشف أسماء المتورطين بالغش
الدغمي يفتح السؤال الوطني: كيف نبني دولة الشراكة ونحصّن الأردن من الهشاشة
العقبة .. وزير الثقافة يزور مدرسة راهبات الوردية
بسبب الرجال .. باميلا الكيك تستفز نادين نجيم ورد ناري من الأخيرة
نوال الزغبي: بالغت في ردي على أصالة .. وجورج وسوف سيظل صديقاً عزيزاً
تخصيص جناح للثوب العقباوي في متحف التراث الأردني بقرار من وزير الثقافة
موريتانيا تنقذ 191 مهاجرًا غير نظامي قبالة سواحلها
فصل التيار الكهربائي عن مناطق بالأغوار الشمالية غدا
تأجيل محاكمة فضل شاكر ونفاد كامل تذاكر حفل "عودة الغائب" بالرياض
انكشاف حيلة الوشاح القضائي .. الحكم بالسجن 10 سنوات لـ "القاضي المزيف"
مؤسسة الأميرة تغريد توقع اتفاقية لتعزيز حماية الأطفال عبر التكنولوجيا الذكية
إطلاق مشروع "ربيع" لتعزيز الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر ضعفاً في الأردن
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات
مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن
قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟
تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء

