خواطر في زمن الرياء

خواطر في زمن الرياء

24-10-2026 04:07 AM

"المخبول"
حين يضعك أحد المدعوين في موقف محرج خلال مناسبة اجتماعية خاصة، فأنت أمام خيارين: أن تردّ الإساءة بمثلها، فتمنحه فرصة لجرّك إلى مستواه، أو تكظم غيظك وتواجه الموقف ببرود أعصاب، فتثبت له أن استفزازه أصغر من أن ينال من اتزانك. فليس كل صمت ضعفًا، ولا كل ردّ انتصارًا؛ أحيانًا يكون التجاهل أبلغ رسالة، حين تدرك أن بعض التصرفات لا تستحق أكثر من أن تكشف تفاهة صاحبها!
***
"جمر وتمرد"
جَمْرٌ في يَدِ الحُرّ
يحملُ الجمرَ في كفِّهِ،
كأنّ عناةَ تُباركُ صبرَه،
وبعلَ يوقظُ في البرقِ وعدَ المطرْ.
لا ينحني؛
ففي دمهِ سرُّ موتٍ وولادة،
وفي رمادِ الهزائمِ
تختبئُ بذرةُ الخصبِ،
ويُخبّئُ الفينيقُ الكنعانيُّ
سرَّ النهوضِ من الاحتراقْ.
يمضي،
وفي راحتيهِ جمرُ الحقيقةِ،
حتى إذا أطبقَ الليلُ أبوابَه،
شقَّ من النارِ فجرًا،
وأورقَ في وجهِ القيدِ
وطنٌ لا يموتْ.
***
"الإرهاب"
الإرهاب لا هوية له ولا دين؛ فهو صنيعة فكرٍ منحرف، وعقلٍ أُغلق على الكراهية، وضميرٍ ماتت فيه إنسانية الإنسان. قد يتدثّر بعباءة الدين، أو يتخفّى خلف شعارات السياسة، أو يتغذّى على مظالم الشعوب، لكنه يظلّ في جوهره اعتداءً على الحياة وكرامة البشر. فلا دين يبرّر قتل الأبرياء، ولا قضية تمنح أحدًا حق سفك الدماء. إنما تُقاس الأديان بما تدعو إليه من رحمة، وتُفضح الأفكار بما تخلّفه من خراب.
***
"غزة الكرامة"
في غزّة، يتحوّل الخبز إلى سلاح، والماء إلى أمنية، والدواء إلى ترفٍ مؤجّل؛ فلا تعود المجاعة نقصًا في الطعام، بل وسيلةً لكسر الإرادة، تُختبر فيها إنسانية العالم أمام أمٍّ تعجز عن إطعام أطفالها، وأبٍ يخفي عجزه خلف صمتٍ موجع.
إن هندسة المجاعة ليست جريمةً بحق الأجساد فحسب، بل محاولة لإخضاع الروح وانتزاع الأمل. ومع ذلك، تظلّ غزّة شاهدةً على أن الرغيف حقٌّ لا منّة، والحياة ليست ورقة ضغط.
غزّة تجوع، والعالم يُمتحَن؛ والتاريخ لا ينسى مَن حاصر الخبز، ولا مَن تفرّج على الجوع.
***
"عصر التفاهة"
في عصرٍ تُحاصَر فيه غزّة بالجوع، وتُختبر فيه إنسانية العالم برغيف خبز، تتصدّر التفاهة المشهد، وتُمنح الضوضاء قيمةً تفوق قيمة الحقيقة، فيما تُترك المأساة على هامش الاهتمام.
لم تعد المشكلة في أن العالم يرى ولا يتحرّك فحسب، بل في أن التفاهة باتت تزاحم الوجع، وتسرق الأضواء من الضحايا، حتى صار الجوع خبرًا عابرًا، والفرجة سلوكًا مألوفًا، والصمت فضيلةً زائفة.
حين يصبح التافه حديث العالم، ويغدو جوع الإنسان خبرًا عابرًا، نعرف أننا لا نعيش أزمة ضمير فحسب، بل انحدارًا في معنى الإنسانية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد