أوقفوا «حروب الاحتراق الذاتي»

أوقفوا «حروب الاحتراق الذاتي»

24-10-2026 05:17 AM

قلناها مع أول طلقة وقبلها، أن الحرب على إيران في جوهرها «حرب إسرائيلية، وإن كانت جرت وتجرى بجيوش أمريكية، بينها جيش الاحتلال الإسرائيلي» نفسه، وجولة الحرب المقبلة تعيد التأكيد على هذه الحقيقة العارية، ولم تعد القصة في تسريبات وكواليس واستنتاجات، بعد أن أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالفم الملآن، وقال إنه يريد استمرار بنيامين نتنياهو رئيسا لحكومة كيان الاحتلال، وشريكا له في حرب إسقاط النظام الإيراني، وأرسل وزير حربه بيت هيغسيث للقاء نتنياهو في قاعدة «عوفر» الجوية الإسرائيلية، لم يعلن عن الزيارة قبل حدوثها، وإن اعترف بها هيغسيث، بعد التسريبات في موقع «أكسيوس» وغيره، وفسرها برغبته في لقاء نخبة جنرالات القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط، فيما تكفل نتنياهو نفسه بكشف الأوراق، وقال إنه أصدر أوامره لجيش إسرائيل وللمخابرات (الموساد) بتنفيذ خطط موضوعة لتفكيك النظام الإيراني.
وهكذا عادت القصة من نهاياتها إلى نقطة البدء، وجرت العودة إلى استلهام الخطة من نتنياهو، ودونما استيعاب لدروس ما كان مع بدء الحرب الجارية صباح 28 فبراير 2026، وتنظيم حملة اغتيالات جماعية للقادة الإيرانيين، ثم التعويل على دفع ملايين الإيرانيين للوقوف مع تحرك مسلح لإسقاط نظام مقطوع الرأس، وهو ما حدث عكسه بالضبط في المرة الأولى، فقد استمر النظام رغم قطع رأسه السابق (المرشد الراحل علي خامنئي)، ونهضت طبعة جديدة من النظام أكثر تشددا ومخاطرة، وبدعم حماسي جياش من عشرات ملايين الإيرانيين المتدفقين يوميا للشوارع والميادين الكبرى في كل إيران.
ربما الفارق هذه المرة، أن اللعب يجري على المكشوف، ودونما مفاجأة من أي نوع، فقد اكتفى ترامب بتغليب الوقت الأنسب لظروفه السياسية، وجعل موعد البدء بالحرب عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر المقبل، وهو ما يعلمه الإيرانيون بالطبع، واستعدوا للجولة المقبلة كأنها تجري فورا، وسارعوا بتعيين مهراد أخلاقي مهندس صناعة الصواريخ وزيرا للدفاع، ورد الجنرال محمد رضا نقدي المستشار العسكري للمرشد الحالي مجتبى خامنئي على تهديد أمريكي باستخدام «أم القنابل» لضرب إيران، وقد جرى استخدام «أم القنابل» إياها في ضرب طالبان أفغانستان عام 2017، ومن دون أن تجدي نفعا، ثم عادت أمريكا لاستخدام ما هو أكبر من «أم القنابل» في ضرب إيران، ففي حرب الإثني عشر يوما أواسط 2025، أمر ترامب ـ في عملية «مطرقة منتصف الليل» ـ بضرب مفاعل «فوردو» النووي الإيراني بالقنابل المعروفة باختصار «جي. بي. يو 57»، ووزنها نحو 14 طنا، بينما ما تسمى «أم القنابل»، واسمها الكودي «جي. بي. يو 43»، وزنها أقل من عشرة أطنان، ويبدو أن الإيرانيين حصلوا على القنبلة الأكبر «جي. بي. يو 57»، أو على أجزاء كاملة منها لم تنفجر، واستخدموا حيل «الهندسة العكسية» لتصنيع مثلها، سواء بإمكاناتهم الذاتية، أو بمعونة تقنية من الروس أو من الصينيين، وهو ما يفسر إعلان مستشار المرشد العسكري، أن إيران قد امتلكت تكنولوجيا «أم القنابل»، وما هو أكبر وأخطر منها، وللإيرانيين تاريخ طويل من «الهندسة العكسية» لأسلحة أمريكية حصلوا عليها في معارك، أو اشتباكات، وقد أراد الجنرال نقدي، أن يقول ببساطة للأمريكيين، لا تهددونا بما نعرفه ونمتلك مثله، إضافة للتطور الهائل في «الصواريخ الجوالة» والصواريخ الباليستية الإيرانية فرط الصوتية، عبر شهور الحرب الثمانية حتى اليوم، وهو ما يعكسه رمزيا تعيين المهندس أخلاقي أخيرا وزيرا لدفاع إيران، وقد كان صاحب الدور الريادي في أبحاث، ثم الإنتاج الأوسع لسلاسل الصواريخ .
وكأن النظام الإيراني يريد القول، إننا مستعدون جيدا لجولة الحرب الوشيكة، وإن «النصر الحاسم» الذي يطلبه ترامب ونتنياهو لن يتحقق هذه المرة أيضا، وهو ما يفسر التشدد المضاف للقيادة الإيرانية في مفاوضات الكواليس عبر الوسطاء، الذين أضيفت إليهم وساطة روسيا، وزيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى طهران، ثم ذهاب المشير الباكستاني عاصم منير إلى طهران برسالة تحذير أخيرة من ترامب، وهو ما رد عليه المفاوضون الإيرانيون الكبار بحزم ظاهر، بدءا من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى كبير المفاوضين ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وإلى الجنرال محسن رضائي الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، وقد شاركوا جميعا في لقاءات لافروف ومنير، وكانت تعقيباتهم علنية في أغلبها، وعكست اتفاق المراجع الإيرانية على الموقف المستمسك ببنود «مذكرة التفاهم» التي نقضها ترامب، وبخطة «الأيام السبعة» الإيرانية المبنية عليها، وتشترط تنفيذ أمريكا أولا لسبعة مطالب قبل الشروع في مفاوضات الملف النووي الإيراني، يأتي على رأسها وقف الحرب أو التهديد بها، وإزالة الحصار البحري والخنق الاقتصادي الأمريكي، والعقوبات المفروضة على حرية تصدير البترول الإيراني، وفك تجميد الأرصدة الإيرانية المسروقة، وكلها مطالب يعترض عليها ترامب، ويطلب استسلاما إيرانيا كاملا لشروطه في تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وهو ما لا يتصور عاقل إمكانية لحدوثه . والمعنى بوضوح، أن الحرب واقعة واقعة، وأن خطة إيران في مواجهتها تظل كما كانت في «حرب الأربعين يوما» الأولى، وملخصها رفع تكلفة الحرب على عدوها، وتوسيعها في الجغرافيا وإطالتها في الزمن، وربما بإضافة نوعية هذه المرة، هي التوجه الأكثف لتوجيه ضربات صاروخية مباشرة على القطع البحرية الأمريكية في المنطقة وخارجها، والعودة لشن موجات هجوم صاروخي واسع على كيان الاحتلال الإسرائيلي، ومن دون التوقف عن ضرب القواعد الأمريكية في الخليج والمحيط العربي عموما، وربما التوجه لضرب البنية التحتية من آبار بترول ومحطات كهرباء ومحطات تحلية مياه، خصوصا إن بادرت أمريكا وإسرائيل إلى ضرب البنية التحتية الإيرانية، وهو المتوقع غالبا مع حملة اغتيالات للقادة الإيرانيين الكبار، وعلى نحو ما جرى صباح 28 فبراير الماضي . وقد لا تبالي أمريكا، ولا يبالي ترامب بالمخاطر على دول الخليج العربية، وأولوية ترامب، كما هو ظاهر في التحركات الأمريكية الجارية، هي حماية الكيان الإسرائيلي أولا، ونقل ما يمكنه من جنود وخبراء ومعدات دفاع صاروخي إلى كيان الاحتلال، وترك دول الخليج العربية لمصائر التدمير، وإرغام نظمها على الدخول إلى حظيرة توقيع «اتفاقات إبراهام» سيئة الصيت مع إسرائيل، فالهدف الأمريكي الإسرائيلي الشامل، ليس فقط تدمير إيران، بل تدمير دول عربية معها، وبالذات تلك التي ما تزال تعارض فكرة التطبيع والتحالف مع إسرائيل، والقبول بمبدأ السيادة الإسرائيلية على الشرق الأوسط الجديد .
والغريب، أن دولا عربية، لا تفكر بمقتضى مصالحها وصيانة مصائرها، وقد تتورط مع أمريكا وإسرائيل في الهجمة الجديدة الوشيكة على إيران، وهو ما يزيد الطين طينا، خصوصا إن أبدى النظام الإيراني صمودا في مواجهة الحرب الجديدة، وعلى نحو ما فعله في حروب «الاثني عشر يوما» و»الأربعين يوما « و»قصف الليالي الثلاث عشرة» وما بعدها وما بينها، وهو ما يبدو مرجحا، مهما اشتدت ضراوة الضربات الأمريكية الإسرائيلية الجديدة الوشيكة.
وربما تجدر الإشارة هنا إلى نصيحة ونداء الإمام أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر، ودعوته مؤخرا إلى مصالحة توقف اشتعال حروب المنطقة العبثية بين العرب والمسلمين، صحيح أن الطيب ليس قائدا سياسيا يتوه بحساب المنافع والمضار العاجلة المتصورة، لكنه رمز كبير لضمير ديني وعروبي يقظ، يدرك أن العرب والمسلمين هم أول الضحايا لحروب المنطقة البينية، وأن المطلوب الأول هو البحث عن المستفيد مما جرى ويجري، في الوقت الذي يقوم فيه «كيان الاحتلال» بحروب استئصال الفلسطينيين من كل فلسطين، ودفعهم لترك وطنهم والخروج كمهجرين ولاجئين إلى دول الجوار العربي، وتزوير حقيقة «العدو الأصلي» في الوجدان العربي، وإحلال العداوة لإيران وأنصارها محل العداوة الأصلية لكيان الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني الإحلالي الدموي الإبادي، وإحلال عروبة مريبة وإسلام طائفي محل العروبة الأصلية والإسلام الجامع، والذهاب بالمنطقة إلى جحيم يشعله الأمريكيون والإسرائيليون، يأتي على الأخضر واليابس في المنطقة كلها، ويحول العرب والمسلمين إلى عبيد في مملكة «إسرائيل» الشرق أوسطية التوراتية الكبرى .
وربما يكون واجب اللحظة الأهم، أن تتوقف الحرب العبثية البينية، وأن ينتبه الجميع إلى حساب المصائر في ما جرى ويجري، وأن يعطوا الأولوية للمصالح الجامعة، ولمصالحات عاجلة ممكنة، بدلا من الانقياد الأعمى لما يريده العدو الأمريكي الإسرائيلي، وترك أوهام التسوية والتطبيع، بل التحالف مع العدو الإسرائيلي، التي تذهب بنا جميعا إلى موارد التهلكة، وإلى الاحتراق الجماعي الذاتي، وتعمينا عن فرص ممكنة لتسويات بينية عاجلة قبل فوات الأوان.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد