مرسي و«الإخوان» وأسلوب الضربة القاضية

مرسي و«الإخوان» وأسلوب الضربة القاضية
الكاتب : جورج سمعان

 شاءها الرئيس محمد مرسي ضربة واحدة. كانت أمامه خيارات أخرى لا تضع مصر على شفا الهاوية. أراد حسم كل الملفات دفعة واحدة بدل اعتماد وسائل أخرى، من دون أي اعتبار لخطورة تعميق الانقسام ورفع وتيرة الاستقطاب. كان أمامه فرصة لاستمرار التفاوض والحوار مع القوى المناهضة لسيطرة التيار الديني. وفرصة لإيجاد تسوية مع المنسحبين من اللجنة التأسيسية المكلفة إعداد دستور جديد للبلاد. لكنه اختار أن يفتح باب المعركة السياسية على مصراعيه في مواجهة التيارات والأحزاب... والقضاء الذي لم يعامله نظام من قبل مثل هذه المعاملة. حتى أيام جمال عبدالناصر لم يتعدَّ الصراع بينه وبين السلطة القضائية سقف إبعاد عدد من القضاة.

 

أفاد الرئيس مرسي من الجو الدولي الذي وقف خلف القاهرة لترتيب التهدئة بين حكومة بنيامين نتانياهو وحركة «حماس» وشقيقاتها في قطاع غزة. وسهل شعور المتصارعين ومن خلفهم بالحاجة إلى وقف الحرب في تمكين حكومة «الإخوان» من جني رصيد على المستوى الدولي، وعلى المستويين الفلسطيني والمصري. ولم يكن توظيف هذا الرصيد وحده وراء العجلة في «الإعلان الدستوري». كان وراءها أيضاً عجز الحكومة عن معالجة القضايا الاجتماعية في غياب أي برنامج، فيما تتضاعف أفواج المعترضين الذين يملأون الشوارع في كل مكان بعدما أفاضوا في محاسبة الرئيس بعد «مئويته الأولى» في الحكم معبرين عن خيبة أملهم بكل الوعود التي أطلقها. وكان وراءها المأزق الكبير الذي اعترض عمل «اللجنة التأسيسية» للدستور.
 
 
كلها عوامل فرضت على «الإخوان» فتح معركة على أكثر من جبهة لعلهم يحسمون الصراع بالضربة القاضية بدل الانتظار فيما رصيدهم الشعبي يتآكل. ولم تغب عن بال الرئيس مرسي في إعلانه فرصة استغلال وقوف السلفيين وراءه في الصراع على الدستور. ولم يعدم الحيلة لاستدرار تأييد الشارع الغاضب. فأمر بإعادة محاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين أثناء اندلاع الثورة. وأطاح النائب العام المستشار الدكتور عبدالمجيد محمود الذي عزيت إليه الأحكام المخففة على رموز النظام البائد وأعوانهم. ومنح «اللجنة التأسيسية» شهرين لإنجاز أعمالها. ولم ينسَ الدعاء لثوار سورية بالفوز والنصر على «النظام الظالم». لكن هذه «الترضيات» لم تمر على القوى السياسية التي قرأت «الإعلان الدستوري» انقلاباً واضحاً يعيد إنتاج نظام «أكثر ديكتاتورية» من النظام المنحل. وكان سهلاً هنا على هذه القوى أن تقارن ما جاء في «الإعلان» وما كانت عليه نصوص الدستور السابق لإثبات ما ذهبت إليه في اتهاماتها ومخاوفها، فغرفت من القاموس كل ما سيق ضد النظام السابق وكل ما يساق ضد الأحزاب الدينية... وحتى نظام «المرشد» في الثورة الإسلامية الإيرانية!
 
لذلك، لم تتأخر القوى الشعبية في التوجه إلى ميدان التحرير حيث وافاها قادة المعارضة، المرشحان الرئاسيان سابقاً حمدين صباحي وعمرو موسى ورئيس «حزب الدستور» محمد البرادعي. فيما احتشد مناصرو «الإخوان» والتيار السلفي أمام قصر الاتحادية حيث أطل عليهم الرئيس مرسي لتأكيد انحيازه إليهم. ولتأكيد عزم «الجماعة» على خوض المعركة السياسية ضد الخصوم والقضاء... وبقايا الفلول. وكان واضحاً أن التيار الإسلامي الذي التحق بالثورة قبل نحو سنتين ومنحها زخماً لا يمكن إنكاره، بدا يوم «الإعلان الدستوري» أكثر تنظيماً وأوسع حشداً... لكن ذلك لا يلغي ما رمز إليه الحضور في ميدان التحرير.
 
لكن هذه «الكثرة» للتيار الديني لا تلغي حقيقة ما يمثل أقطاب المعارضة ومعهم أيضاً الكنيسة القبطية، إضافة إلى بقايا الفلول الذين قد لا يُحسب لهم حساب وازن ما لم يقترن ذلك بحجم المؤسستين العسكرية والأمنية. وقد حظي هؤلاء بهجوم عنيف من الرئيس مرسي. لكنهم ليسوا هم عنوان المعركة التي أطلق شرارتها «الإعلان». فـ «الجماعة» تدرك جيداً أنها لا يمكن أن تلغي كل هؤلاء الخصوم مهما بدت قدرتها على الحشد والتنظيم. تعرف جيداً أن ميزان القوى يكاد يكون متساوياً، وتدل عليه أرقام الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وتعرف أن انتخابات نيابية غداً لن تحقق لها الأرجحية التي تسعى إليها.
 
عرفت «الجماعة» منذ اندلاع الثورة كيف تدير سياسة التمكين التي نهجتها من دون أن تشعل حرباً. وتمكن الرئيس مرسي إلى حين في «عزل» المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية التي تراقب اليوم من خلف ثكناتها ومقارها مجرى الصراع الدائر بين القوى السياسية المختلفة ومآله. من دون أن يعني ذلك أنها سلمت بالركون التام للسلطة الجديدة، أو أن الحكم الجديد قادر على إلغائها. ربما اختارت تأجيل تظهير موقفها حتى جلاء غبار المعركة. لذلك، لم يكن مفاجئاً مواصلة «الإخوان» سياسة التمكين اليوم بمحاولة «عزل» الخصوم وإضعافهم. لا يريدون بالتأكيد إشعال حرب أهلية مهما كانت محدودة. ولا المعارضة تريدها أو تسعى إليها، مهما بلغت الصدامات بين الجمهورين في هذا الميدان أو تلك الساحة. إنها معركة تحجيم أو بالأحرى معركة اختبار الأحجام.
 
يحاول كل طرف أن يعزل الطرف الآخر. أو بالأحرى أن يدفع الآخر إلى الاعتراف يحجم قوته ووزنه الشعبي، مع إدراكهما أنه يستحيل على أحدهما إلغاء الآخر. وهي معركة طبيعية وطويلة وشاقة ومؤلمة في مرحلة لا مفر من المرور بها على طريق إعادة تشكيل الدولة وإعادة تشكيل المجتمع. أليس هذا عنوان المعركة على الدستور الجديد الذي يستولد صراعاً محموماً على السلطة؟ يرى كل من الطرفين إلى نفسه عاجزاً اليوم عن تأكيد سيادته أو أرجحيته الشعبية في ظل الانقسام الحالي، وعاجزاً بالتالي عن ضمان الحسم في أية انتخابات نيابية مقبلة يفترض أن يحدد موعدها بعد صدور الدستور الجديد.
 
لذلك، ليس مستغرباً أن يجهد «الإخوان»، بعد تحييد العسكر والأمن موقتاً، سعياً إلى ترسيخ دورهم وحضورهم في القوة البيروقراطية التي تظل لها في أي نظام قدرة لا يمكن تجاهلها في إدارة أية انتخابات برلمانية مقبلة والتأثير فيها أيضاً. ولذلك، ليس مستغرباً أيضاً هذا الهجوم العنيف الذي شنه الرئيس مرسي على المؤسسة القضائية بهدف تطويعها أو تصفيتها ما دام أي نظام ينيط بها الإشراف على كل مستويات الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية أو المحلية، بل لا يستبعد أن يفتح جبهة أخرى مع السلطة الإعلامية لتطويعها فيعقد له لواء السلطات كلها بيديه بما فيها «السلطة الرابعة»! بل لا يستبعد أن يحرك «قضاءه» الجديد وبعض حقوقييه لملاحقة كثير من الخصوم... مثلما فعل ويفعل بندّه أحمد شفيق وفلوله!
 
من المبكر التكهن بمآل المعركة الحالية ونتائجها. «الإخوان» يراهنون على تعب الناس بعد نحو سنتين من عدم الاستقرار. ويراهنون أيضاً على وهن الخصوم في معركة قد تطول، وهم فيها الأقدر على الحشد والتنظيم في مقابل جمهور يندفع إلى الميدان من تلقائه من غير تأطير حزبي يوفر له كل مقومات الصمود في الشارع كما هي حال أنصار التيار الديني. لكن عامل الوقت ليس وحده ما يقرر نهاية هذا الصراع المفتوح في أكثر من جبهة. ولئن بدا أن الغلبة في الشارع قد تعقد في النهاية للقوى الدينية، إلا أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية قد تكون أخطر الأسلحة في وجه مشروعهم للاستئثار والتمكين. ألا يعتبرون مما آل إليه «التمكين» الذي كان للنظام السابق؟ فما حرك الثورة لم يكن التوق إلى الحرية واستعادة الكرامة وأبسط الحقوق فقط، بل حركهم مشروع التوريث للاستئثار بالسلطة وما جر من فساد وسرقات. وحركهم العوز والضائقة الاقتصادية. وإن سكتوا إلى حين عن سياسة التمكين التي يمارسها «الإخوان» فإنهم لن يسكتوا طويلاً. مثلما لن يسكتوا عن المطالبة برغيف الخبز الذي هو الاستحقاق الحقيقي.
 
وإذا كان الرئيس مرسي انتهز بين ما انتهز الفرصة التي وفرها له سيل الثناء الذي حازه من القوى الخارجية في معالجة حرب غزة الأخيرة، فإنه لا يمكن أن يتجاهل موقف هذه القوى وضغوطها بعدما بدأت تعبر عن مخاوفها وقلقها من الانقسام الذي يعصف بصفوف المصريين ومن سياسة «التمكين»... هي التي تلكأت وتتلكأ في دعم الثورة السورية خوفاً من سقوط دمشق في أيدي القوى الإسلامية المتشددة وسياسة «التمكين» التي قد تمارسها إذا انهار النظام، فيغيب دور كل القوى الأخرى بأقلياتها الطائفية والعرقية والمذهبية. فهل يتمكن «إخوان» مصر من الفوز على كل الجبهات التي فتحوها دفعة واحدة؟