عاجل

عبيدات يصرح بشأن الوضع الوبائي ويحذر .. تفاصيل

مستقبل العرب

الكاتب : محمد الرميحي

فى المراحل الفاصلة فى تاريخ الشعوب يحاول البعض ان يمد بصره الى أبعد نقطة يمكن ان يصل اليها، تلك هى قراءة او توقع المستقبل. لدينا مجموعة من النظريات فى صيرورة المجتمعات ومسيرتها ، البعض يقول إنها صاعدة باستمرار وفى تقدم حضاري،والبعض الآخر يرى انها دائرية، ولكنها فى معظم الاحيان حلزونية، اى صاعدة وهابطة، نتيجة ظروف مختلفة تتعرض لها الشعوب ،
الا ان تلك الحلزونية لا يمكن ان تتكرر، فلا يستطيع المرء ان ينزل النهر مرتين، حتى لو كان فى نفس المكان، لان مياه النهر جارية،وكذلك الزمن. قليلة هى الدراسات المتوافرة فى الثقافة العربية حول المستقبل، على اهمية الموضوع.
بين يدى كتاب ارى انه مهم ، يحاول أن يقرأ المستقبل من منظور غربي. الكتاب بعنوان ( المائة عام المقبلة: تنبؤات للقرن الحادى والعشرين) وهو بالإنجليزية لم يترجم ، وكاتبه هو «حورج فرد» من. الكتاب فيه الكثير مما ينقل، ولكن لست هنا معنيا بتوقعات الكاتب، اكثر من انى معينا بالمنهجية التى تبناها من اجل قراءة المستقبل. و المنهجية باختصار كما افهمها تتلخص فى بضع كلمات ان ( ليس القائم دائما) سوف احاول بعد تبسيطها، ان انظر الى مستقبل العرب من خلال تلك المنهجية، علنى أفتح بابا للنقاش والاجتهاد فيما يهمنا جميعا.

منهجية الكتاب انه يقرر إن اردنا أن نعرف المستقبل او توجهات العامة، علينا ان نقرأ الماضى بعيون لا يشوبها ضباب المنع أو التزلف، قراءة الماضى كما هو باكثر قدر من العقلانية و الحيادية. لذا فإن الكاتب يأخذ القرن العشرين فى تاريخ الغرب ويقسمه الى حقب ، كل حقبة نحو عشرين عاما. يقول: فى مطلع القرن العشرين أى 1990 كان الغرب، وخاصة أوروبا تعيش فى دعة هناك تطور اقتصادى متطور ،وهناك سلام شامل ، واوروبا تقود العالم وتهيمن عليه، امبرراطوريات متقابلة تُقسم العالم تحت هيمنتها، فى ذك الوقت لم يكن احد يرغب ان تقوم حرب، حتى لو قامت حرب ، فلا بد ان تكون محدودة، لان لا أحدا من القوى الكبرى وقت ذاك لا يريد أن يصاب الوضع العام بالاضطراب،كانت التقنية تتقدم وتحقق انتصارات للعقل الاوروبي. بعد عشرين عاما من ذلك ،اى فى عام 1920 كان العالم فى فوضى، حرب مدمرة انتهت للتو، و اخذت معها ارواح الملايين من البشر،وهدمت مدنا و قامت دول جديدة و فى ثوب جديد ، كما فى روسيا التى تحولت الى دولة شيوعية، سقطت الامبراطورية العثمانية والنمساوية ،وفوق ذلك اصبحت القوة الالمانية الضخة، أثرا بعد عين،ولم يكن أحد يتوقع أن تقوم لها قائمة. بعد عشرين عاما من ذلك الوقت فى عام 1940 المانيا تجتاح اوروبا، وتُظهر قوة فى الرجال والعتاد غير مسبوقة، وتسيطر على القوى الاوروبية القريبة منها، بل تهدد بريطانيا. بعد عشرين عاما من ذلك الوقت اى فى عام 1960 تصبح المانيا تحت سيطرة أربع دول منتصرة، بريطاينا العظمى تفقد مستعمراتها وتتقلص الى جزيرة تعانى مشكلات اقتصادية، الاتحاد السوفيتى يظهر على سطح العالم بقوة عسكرية وتقنية واقتصادية، يبزغ من الشرق دولة كبرى هى الصين،وتظهر دول تنافس اقتصاديات الدول التقليدية السابقة. بعد عشر سنوات 1980 تهزم أكبر دولة، وهى أمريكا من دولة صغيرة معظم سكانها فلاحون هى فيتنام الشمالية ، تتعاظم سلطة الصين التى على وشك أن تدخل عضوا كاملا فى حكومة العالم ، مجلس الامن . بعد عشرين عام 2000 تتبخر ممتلكات الاتحاد السوفيتي، ويسقط كدولة بما يؤثر ذلك السقوط على تحرر دول كانت تابعة له، تعانى الولايات المتحدة مصاعب اقتصادية، يتلكأ الاتحاد الاوروبى ويبحث عن مخارج اقتصادية!.

ذلك بإختصار المنهجية التى اتبعها الكاتب من اجل ان يقول لنا ان ( ليس كل ما هو قائم دائم) وان علينا أن نفكر بجدية للمستقبل الذى هو لا شك متغير باسرع مما نظن ، وهل يمكن ان نؤثر فى صيرورته ، ام ان هناك قوى خارجة عن قدرة الانسان تنتج آلية لها ميكانزماتها هى التى تسير مستقبل الشعوب؟.

ان طبقنا تلك المنهجية على الدول العربية، لا نحتاج ان نقرأ كل احداث القرن، يكفى ان ننظر الى احداثنا منذ النصف الثانى من القرن العشرين، وان حقبنا احداث العرب منذ ذلك الوقت لفترات عشرينية، نرى أن الخمسينيات والستينيات كانت وقت الانقلابات على القائم من حكومات، قام بها فى الغالب الجيوش ،و هى المؤسسة المنضبطة و المنظمة والحديثة فى المجتمع، حدث لك فى مصر وسوريا و اليمن وليبيا والعراق. كان العدو الأول للدول العربية اثنين إسرائيل والاستعمار، لم يكن أحدا يستطيع ان يتوقع اى خلاف حول مركزية ذلك العدوين. فى السبعينيات والثمانينيات، لم تعد إسرائيل لعدد من الدول العربية هى العدو، أصبح العدو هو الفقر والتخلف، كما ظهر الوهن على قوة الدولة الوطنية، وبدأ فى الظهور على السطح لاعبون جدد، هم قوى خارج الدولة، فى شكل تنظيمات عقائدية مسلحة ( حزب الله فى لبنان) و ( الاسلام الحركي) فى بعض البلدان العربية الاخرى. فى التسعينيات و السنوات العشر الاولى من القرن الحادى والعشرين،ظهرت الدولة (الدينية) بدأت معالمها الاولى فى السودان،وبعدها فى مصر وتونس، و لها اليوم جذور شعبية تقريبا فى كل المنطقة العربية، إن لم تكن فى الحكم فهى إما قريبة منه او متحكمة فيه او تستعد للانقضاض عليه.

فى مكان آخر فى المستقبليات نرى عملين ادبيين شائقين يتحدثان عن المستقبل، الاول الرواية الشهيرة لجورج اورول 1984التى كتبها فى عام ،1948 وتحدث فيها ( محذرا) من سلطة الاخ الاكبر، وكيف سيكون متحكما فى انفاس المجتمع الى درجة الاختناق، كانت تلك الرواية تحذيرا من القادم، الذى تم بعد ذلك على يد الدكتاتورية السوفيتية ( ستالين قضى على ملايين من البشر) ولدينا اليوم رواية هاروكى موروكامى المعنونة (اى كيو 48) و التى يحاكى فيها الكتاب اليابانى المرشح فى القائمة القصيرة هذا العام لنيل جائزة نوبل فى الادب. يرى موروكامى ان القادم هو تحكم قوى صغيرة دينية متعصبة تعيش فى جيتوات منعزلة، تهدد العالم،وهذا ما نراه اليوم فى اشكال ( داعش و شبيهاتها) .

المقصد الاساسى ان المستقبل لا يحدث مستقلا عن الوضع الحالي، فهو اى المستقبل، يولد فى رحم ما نعيش فيه اليوم، و السيطرة او على الاقل رسم طريق المستقبل، هو أولا يحتاج الى قراءة حقيقية ومحايدة وموضوعية لما نحن فيه وما حدث فى تاريخنا القريب، ثم تحديد ما نرغب فى الوصول اليه. ما نحن فيه متجه الى تفريخ قوى إرهاب، صغيرة او كبيرة، تقوم بتعطيل اعمال الدولة واشاعة الأضطراب والفوضى ،ومع تقدم التقنية تتنامى قدرة تلك المجموعات على الفعل المؤثر. وهى جماعات تتعيش فى نموها على اهمال الدولة للمهمشين والفقراء، كما نتعايش على فكر مفرغ من العقلانية، يصفع وجوه القوم يوميا بحسن نية او سوئهما ،من خلال التعليم ووسائل الاعلام. الاقتصاد والفكر هما ساحة المعركة فى المستقبل العربي.

 

* الاهرام