ديمقراطية الأنياب

ديمقراطية الأنياب
الكاتب : عبد الهادي الراجح

لا يوجد في تاريخ الرئيس الراحل أنور السادات موقف يجعلني أحترمه ، ولكن للرجل بعض القفشات إذا جاز التعبير يستحق التوقف أمامها ، مثل مصطلح ديمقراطية الأنياب التي ابتكرها الرئيس الراحل عندما كان ينكل بخصومه السياسيين ويقطع أرزاقهم ويصادر حرياتهم باسم الديمقراطية ، وأطلق عبارته الشهيرة (للديمقراطية أنياب) قادرة على حماية نفسها وهي تعادل أقصى الديكتاتوريات في العالم .


لم تكن تلك العبارة من فراغ أو من عبقرية الرئيس كما يتخيل البعض ، ولا شك أن السادات هو أحد أتباع المشروع الأمريكي الصهيوني ، وأمريكا التي كانت تستعد لحسم الحرب الباردة لمصالحها لا تريد أصلا ديمقراطيات حقيقة تفرز إرادة الشعوب لأنها ستفضح سياستها وأتباعها في المنطقة فهي تريد المحافظة على مكانتها وكأنها زعيمة العالم الديمقراطي وبنفس الوقت المحافظة على مصالحها في المنطقة بإعادة إنتاج عملائها وهكذا خلت الساحة من الملك فيصل بقتله على يد ابن أخيه ، وأنور السادات بواسطة أبناء القوات المسلحة المصرية الباسلة ، أما الباقين فان أدوارهم ليست بذات الأهمية ، لذلك عبارة السادات كانت إعلان عن مرحلة جديدة من الديمقراطية في العالم العربي التي لم يعرفها العالم عبر التاريخ الإنساني ، قل ما تشاء وعبّر عن رأيك ولكن لن تكون فاعلا ومؤثرا وإلا الأنياب موجودة لإرسالك لما وراء الشمس والأسباب والمسببات جاهزة وحتى شهودها الذي ينطبق عليهم اسم مسرحية لفناننا الكبير عادل إمام (شاهد مشافش حاجه) .


وديمقراطية الأنياب على طريقة السادات أصبحت اليوم هي الأساس في وطننا العربي الذي أضاع بوصلته السياسية وينطبق عليه كتاب معروف للأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل أطال الله في عمره اسمه ( العربي التائه) منذ رحيل الزعيم جمال عبد الناصر وحتى يومنا هذا .


 ومما دعاني كتابة هذه المقدمة الطويلة هي الاعتقالات السياسية  في الأردن لا لسبب إلا لمجرد التنكيل بأصحاب الرأي الآخر ، وليس آخرهم السيد زكي بني ارشيد نائب المرشد العام للإخوان المسلمين في الأردن والاتهام الذي بني عليه الاعتقال هو بحد ذاته جريمة بحق الوطن وكرامة أبناءه حيث أن الأسباب التي أعلن عنها إساءة العلاقات مع دولة شقيقة تدعى بلا مؤاخذه الإمارات العربية المتحدة ، إذا كانت لسه عربية ، ولا أعلم هل أصبح المواطن في الأردن  الذي يرى ويسمع بعصر السماوات المفتوحة انتقادات لوطنه ولغير وطنه ، ولكن هو الوحيد المطلوب منه عدم انتقاد أي سياسة لأي دولة شقيقة يراها النظام وأجهزته ، وإذا كان صاحب الرأي بني ارشيد أو غيره هو معارض لنهج حكوماته ،  كيف يكون ممنوعا من انتقاد الدول التي تتبنى نفس سياسة حكوماته التابعة ، فهل النظام وأجهزته يريدوا أن نكون مجرد بغباوات تردد خلفه ما يقوله وتسير على سياسته التي أوصلتنا إلا ما نحن عليه ، من فساد وإفساد وتخلف وتبعية وفقر متقع .


أقول ذلك ولست من المؤيدين للإخوان المسلمين وسياستهم ، ولكن هذا الاعتقال لبي ارشيد وغيره هو اهانة لنا جميعا وعودة إلى ما قبل عام 1989م ، وربما حتى أسوأ من ذلك عودة للقرون الوسطى ، وهذا يذكرني بمقال لي  ذات يوم في إحدى المواقع الالكترونية والذي تم إزالته خلال أقل من ساعة بعد النشر ويومها طلبني محافظ العقبة الذي كان ودودا في تلك اللحظة وأخذ يشرح لي بأن مقالي قد يتسبب في تعكير العلاقات مع الدويلة الشقيقة وهي نظام آل سعود ، وأخبرته يومها أنني معارضا للنهج السياسي لحكومات وطني فكيف يؤثر رأي على العلاقات مع الدويلة الشقيقة إياها ، تلك العلاقات معها ومع غيرها من المحميات لا تسير إلا بالريموت الأمريكي  ، وانتهى الحوار عند ذلك .


ولكن الانتقام لم يتأخر كثيرا إذ سرعان ما حدث اعتصام الموانئ وأصبح رئيس المفوضية الذي أراد التنكيل بي عن طريق المحافظ رئيسا للوزراء وقد طلب ملفي في تلك الحادثة قبل استدعاء المحافظ وكل ذلك تنفيذا لأوامر من هم فوق الجميع ويحكمون من خلف الكواليس .


اليوم يعود نفس النهج السياسي ، حيث ممنوع للمواطن الأردني أن يفتح فمه إلا بتصريح الماع ماع ، وإلا كانت ديمقراطية ألأنياب جاهزة للتنكيل وقطع الأرزاق والسجن والاعتقال .


إننا نحذر من هذا المنبر الوطني من مغبة هذه السياسة التي ستقود الوطن للمجهول ، ولا يغري النظام وأجهزته خروجه من أحداث المنطقة سليما ، حيث كانت لسببين ، الأول اختراق الثورات العربية من أمريكا وإفراغها من مضمونها ونقلها للمعسكر الآخر البعيدة عنه ليبيا وسوريا مثالا ، ورغم الملاحظات على أي من النظامين إلا أن ذلك لا يتوجب ثورات ، والسبب الثاني لتجنب الأردن أحداث المنطقة ألأخيرة التي سميت ربيعا ، وعي المواطن الأردني وإدراكه أن هذه الثورات لم تعد كما بدأت ولكن لا زالت أسباب الانفجار موجودة والأرض أكثر استعدادا لقبول أي تغير نتيجة الظلم والقهر ، وأخشى أن تكون كبت الحريات إضافة لكل الجرائم التي ارتكبت وترتكب بحق الوطن والمواطن هي عود الثقاب الذي سيحرق الأخضر واليابس وسيأخذنا جميعا للمجهول .
حمى الله الوطن والمواطن وكفاه شر المراهقة السياسية لحكومات اللون الواحد وأجهزتها التي شاخت وتجاوزها الزمن ، ولا عزاء للصامتين .