هارون الرشيد الخليفة المُفْترى عليه !

هارون الرشيد الخليفة المُفْترى عليه !
الكاتب : شريف الترباني

 لكل عظيم في هذه الدنيا شانئون ومحبُّون ، حتى الأنبياء لهم أعداءُ ولهم أنصار ، فلا عجبَ من هذه الدنيا ، ومن تصرفاتِ أبنائها !

 
شخصيَّةٌ ظلمها البعضُ إما عن جهالةٍ أو عن قصدٍ ، ترجمَ لها المحققون من أهل التاريخ ؛ فأثنوا عليها الثناء العَطِر ومدحوها في مجال  السيف  ومجال  العبادة  حتى طالها الثناءُ – أيضا – في مجال العلم .
 
إنها شخصيَّةُ الخليفة العباسي هارون الرشيد ، أما نسبُهُ فهو :
 
أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي ، فهو سلالةُ حبْر الأمة عبدالله بن عباس – رضي الله عنه –
 
روى العلمَ  الحديث  عن أبيه وجدِّه وعن مبارك بن فضالة .
 
قال الامام الذهبي كما في ترجمته في  السِّيَر  :
 
( وكان من أنبل الخلفاء ، وأحشم الملوك ، ذا حج وجهاد ، وغزو وشجاعة ، ورأي . وأمه أم ولد ، اسمها خيزران ) .
 
فالذهبي – رحمه الله – يجعله صاحبَ  حَجٍّ وجهاد  وأيضا يجعله  ذا حِشْمة  والحشمةُ ومُشتَقَّاتُها اللغوية مأخوذةٌ من  الحياء  و  الخجل  الذي يمنع المرءَ من ارتكاب الكثير من الذنوب والمعاصي كما جاء في الحديث الصحيح : ( لا يأتي الحَيَاءُ إلا بخير ) .
 
كما كان طلَّاباً للعلم وفنونه ، أخبر الذهبي :
 
( ذا فصاحة وعلم وبصر بأعباء الخلافة ، وله نظر جيد في الأدب والفقه ، قد وخطه الشيب ) .
 
( قيل : إنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات ، ويتصدق بألف ، وكان يحب العلماء ، ويعظم حرمات الدين ، ويبغض الجدال والكلام ، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه ، لا سيما إذا وعظ .) .
 
أما اللهو والذنوب المذكورة ، فهو كأي لهوٍ يصدرُ من إنسان مُعَرَّضٍ للشيطان ودروبه خاصةً أنه خليفةٌ يعيشُ في القصور وقد سبقه من قبله بمراسمَ اعتادوها في قصورهم .
 
أما الصورةُ التي يرسمها الممخرقون عنه أنه كان زيرَ خمرٍ ونساء ! فهذه باطِلةٌ - لا محالةَ - لما تُرْجِمَ له عند المحققين كأمثال : الذهبي وغيره .
 
وهو الذي قام بعزاء عالِمِ المسلمين  عبدالله بن المبارك  قال الذهبي :
 
( ولما بلغه موت ابن المبارك ، حزن عليه ، وجلس للعزاء ، فعزَّاه الأكابر ) .
 
ومن القصص التي تجعلنا نحبُّ هذا الخليفة المفترى عليه ؛ قصَّة يتناقلها علماء السنة - خاصة علماءَ الجرح والتعديل - في الذب عن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن هؤلاء العلماء المعاصرين العلامة ربيع بن هادي ، فقد أكثرَ من ذكرها عند ذِكْرِ الخلفاء الغيورين على سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذكر الذهبي :
 
( وعن خرزاذ العابد قال : حدث أبو معاوية الرشيدَ بحديث  : احتج آدم وموسى فقال رجل شريف : فأين لَقَيَهُ ؟ فغضب الرشيد ! وقال : النِّطْعَ والسيفَ ، زنديقُ ؛ يطعن في الحديث ، فما زال أبو معاوية يسكِّنُه ، ويقول : بادرةٌ منه يا أمير المؤمنين ، حتى سكن ) .
 
هذه الحادثةُ تفرضُ علينا الدفاعَ عن عرضِ هذا الخليفة الراشد كما دافعَ عن سنة المصطفى في وجه ذلك المعترض .
 
وقد كان موتاً على الزنادقة والمنحرفين ممن يحاول إفسادَ الدين ، ذكر الذهبي :
 
( قال عبد الرزاق : كنت مع الفضيل بمكة ، فمر هارون ، فقال الفضيل : الناس يكرهون هذا ، وما في الأرض أعز علي منه ، لو مات لرأيت أمورا عظاما .
يحيى بن أبي طالب : حدثنا عمار بن ليث الواسطي ، سمعت الفضيل بن عياض يقول : ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون ، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره . قال : فكبر ذلك علينا ، فلما مات هارون ، وظهرت الفتن ، وكان من المأمون ما حمل الناس على خلق القرآن ، قلنا : الشيخ كان أعلم بما تكلم ) .
 
فهذه هي مواقفُ العلماء الربانيين كأمثال الفضيل بن عياض من هذا الخليفة المُفْتَرى عليه ! لا مواقف الحاقدين على كُلِّ قامة عظيمة في هذه الأمة .
 
فانظرْ الى قول الفضيل بن عياض :  الناسُ يكرهون هذا  ! فالكرهُ قديم ، ولكن العلماء هم الميزان في الكُرْهِ والبغض ؛ لأنهم أعدلُ الناس وأبصرُ الناس .
 
ولقد طار الحزبيون بالخليفة المعتصم وأكثروا من ترديد  وامعتصماه  وكلُّ هذا الترديد حتى يُثَوِّروا العامةَ والشعوبَ على حُكَّامِهم ، والمعتصم – سامحه الله – هو ابنُ هارون الرشيد وأبوه خيرٌ منه وأعظمٌ نفعا للدين والاسلام بل خاض معركةً أعظمَ من معركة ابنه  فتح عمورية  ، وهذه المعركة التي خلَّدها الشعراء والمؤرخون هي معركة  هِرَقْلة  فقد فعل بالروم الافاعيل ، قال شاعرٌ من أهل  جُدَّة  حضر تلك المعركة :
 
هَوَتْ  هِرَقْلَةُ  لمَّا أنْ رأَتْ عَجَبا
..... حَوَائماً ترتمي بالنِّفْطِ والنَّار
 
كأنَّ نيرانَنا في جنبِ قلعتهم
..... مُصَبَّغَاتٌ على أرْسانِ قَصَّارِ
 
وقد مدحه أشجع بن عمرو السُّلميُّ :
 
مَلِكٌ من مخافةِ الله مُغْضٍ
..... وهو مُغْضى له من الاعظامِ
 
أَلِفَ الحَجَّ والجهادَ فما يَنْ
..... فَكُّ من سَفْرَتين في كلِّ عامِ !
 
فانظر الى قول هذا الشاعر في التدليل على ما ذهبنا اليه من تقسيم عمره بين ( الحج والجهاد ) ، ودِقَّةُ الشاعر تكمنُ في قوله :  أَلِفَ  وهو من الألفة والتَّعَوُّدِ على فعلٍ ما ، كما أخبر الله – عز وجل – عن ألفة قريش لرحلة الشتاء والصيف :
 
( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) .
 
والكلامُ يطول في هذا الخليفة البطل الشجاع ذي الحشمة ، وأنهي مقالتي برسالة بعثها هارون الرشيد لزعيم الروم المخادع  نقفور  :
 
( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدالله هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم : أما بعد ؛ فقد فهمتُ كتابَكَ ، وجوابُكَ عندي ما تراه عِيانا لا ما تسمعه ) !
 
فكان نقفور كأمسِ المنصرم .