الاعتصامات العمالية بين الحقوق والقمع

الاعتصامات العمالية بين الحقوق والقمع
الكاتب : عبد الهادي الراجح
لا زالت الحكومات الأردنية المتعاقبة تتعامل مع الاعتصامات العمالية المطالبة بمطالب وظيفية وكأنها خروج عن القانون وانتهاك للدستور بحيث يتم التعامل معها بقمع وإرهاب وقبضة أمنية غليظة ولم تغير الحكومات المتعاقبة عقلية الخمسينات والستينات التي ورثتها ، وبقيت المطالب العمالية وكأنها محرمة، لذلك صنعت لنا هياكل  تخص العمال بذريعة أن هناك جهات مختصة بحقوق العمال ومطالبهم في الوقت الذي يعمل هؤلاء وهم معينون تعينا تقريبا بتفريغ كل عمل نقابي من مضمونه حتى زرعوا اليأس داخل النقابات العمالية ، وعلى هذا الأساس لم تفرز هذه النقابات مع كل الاحترام لمنتسبيها أي قيادة عمالية قادرة على تقديم النموذج المطلوب للنقابات التي تمثل منتسبيها ، ولا تمثل عليهم فهل يعقل أن يبقى شخص ما مهما كانت قدراته الذهنية على رأس اتحاد نقابة عمالية لسنوات عديدة ، وهذا بحكم الطبيعة سيفرز مراكز قوى كأي موقع لا يتم باستمرار تجديده بالانتخابات كما هو حال معظم النقابات العمالية، وهذا ما سعت إليه الحكومات المتعاقبة وعملت من أجله هو تثبيت مواقع لمن هم محسوبين عليها، وهذا ما أفقد العاملين الأمل في أي نقابة عمالية قادرة على تمثيل منتسبيها وتحظى بثقتهم .
 
 
ولذلك ضعفت تلك النقابات مع أنها الأكبر عددا ، وكانت تلك سياسة الحكومات المتعاقبة أي إفراغ النقابات من مضمونها وإبقائها هياكل لا تمثل في أغلبها إلا نفسها من قياداتها ألمسماه حتى أحدث نقابة .   
 
ولهذا كانت الاعتصامات والإضرابات العمالية التي هزت الحكومات المهزوزة أصلا والتي لم تجد لغة للحوار والتفاهم مع العمال إلا طلب قوات الدرك والحديث بفوقية ولغة خشبية تعود لعصر الحرب الباردة رغم تغّير العصر والموازين في العالم .
 
لذلك الاعتصامات والإضرابات العمالية أعتقد أنها ستبقى وهي كما أشرت في مقالي السابق عن اعتصام العاملين في مفوضيه العقبة وسوف تزداد طالما لا يوجد هناك أذن صاغية ، وقد تابعت التصريحات التي أدلى بها كل المسئولين في مفوضية العقبة على هامش الاعتصام الأخير ووجدت أنها نفس تصريحاتهم في اعتصامات الموانئ وميناء الحاويات والكهرباء والمياه وكل التصريحات تشير لوجود تحريض من جهات خارجية وهذه هي سياسية الحكومات الفاشلة ذات اللون الواحد حيث كل قضايانا الوطنية وكأنها مؤامرات من الخارج من خلال مندسين ومخربين بدون أي عقلانية لمثل هذه التصريحات الاستفزازية  .
 
والاعتصامات بحد ذاتها دليل على أزمة سياسية يعاني منها الأردن نتيجة حكوماته المتشدقة بالمحافظة على أمنه واستقراره ، والحقيقة أن الاستقرار التي تطلبه الحكومات الأردنية هو استقرار الأموات الذين سبق أن قاموا من قبورهم لأجل التصويت في مهازل الانتخابات النيابية وغيرها ، واليوم تطالب الحكومات لنا استقرار ولكنه كاستقرار أهل القبور .
 
دعونا من هذه اللغة الخشبية القديمة والحديث عن مندسين ومخربين بكل اعتصام عمالي يطالب بأبسط حقوق القائمين عليه وليس هناك بديلا إلا تغير هذه السياسات الحمقاء واللغة الخشبية وإيجاد نقابات عمالية حقيقية منتخبة والكف عن قضية المؤامرة المزعومة ، ولا يوجد مؤامرة على الأردن أخطر من السياسة المتبعة  منذ الخمسينات .
 
لذلك كفانا استهتارا بعقول الناس وللحديث بقية .