قمة الرياض لا تنتظر أوباما لتعديل ميزان القوى

قمة الرياض لا تنتظر أوباما لتعديل ميزان القوى
الكاتب : جورج سمعان
جولة أخرى تخسرها إيران في الميدان الديبلوماسي. بعد تغييبها عن التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب بقيادة السعودية، جاء بيان قمة منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول ليفاقم مشكلة علاقاتها مع دول المنظمة. دان القادة المشاركون في القمة تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة واستمرار دعمها الإرهاب. خسرت معركة داخل فضاء يفترض أن يشكل لها مظلة دعم في سعيها إلى استعادة دورها الطبيعي في المجتمع الدولي بعد الاتفاق النووي. لم تكن طهران ترغب في إجماع إسلامي يدين سياسات تدخلها. ولكن بدا واضحاً أن المنظمة، بخلاف الدول الغربية عموماً، لا ترى إلى الصراع بين الجمهورية الإسلامية ودول الجوار العربي، خصوصاً السعودية ومجلس التعاون، أزمةً عابرة في العلاقات بين الطرفين، بل صراعاً مذهبياً يهدد وحدة عدد من الدول العربية والإسلامية، وصراعاً على النفوذ والتحكم بالنظام الإقليمي. فقد نجحت الرياض بجملة من الخطوات السياسية والعسكرية، في بناء سد للحؤول دون هيمنة طهران على المنطقة. فلن يكون بمقدور هذه أن تملأ الفراغ الاستراتيجي في إقليم تنسحب منه الولايات المتحدة، أو أقله الإفادة من تبدل في التحالفات أو سلم الأولويات والمصالح وما يشوب العلاقات بين الدولة العظمى وحلفائها التقليديين. ولن يكون بمقدورها أن تتباهى بالقبض على أربع عواصم عربية. ولن يساعدها ذلك في معركة العودة إلى أداء دور فاعل ومؤثر في المجتمع الدولي، ما لم تتصالح مع دول الجوار. أو بالأحرى ما لم تكن عضواً فاعلاً في منظمة التعاون. إن خوض الجمهورية الإسلامية المواجهة بالتركيز على الجانب العسكري والتهديد بالقوة الصاروخية، كما كانت أساليب الحرب الباردة، لن يثمر أكثر مما أثمرت تجربة السوفيات أمام حلف شمال الأطلسي.
 
 
 
اعتمدت السعودية تسلسلاً لأهدافها في الصراع على الإقليم، تدرجت من الجوار العربي إلى الفضاء الإسلامي الواسع. وشملت شتى الميادين. سعت ولا تزال تسعى مع دول مجلس التعاون إلى كسر الطوق العسكري والسياسي الذي حاولت إيران بناءه في السنوات الأخيرة، مستفيدة من تداعيات «الحروب الاستباقية» ومن الفوضى والحروب الأهلية التي خلفها «الربيع العربي» وأودت بما بقي من أسس النظام العربي. لم يكن ممكناً أن تجلس المملكة إلى طاولة الحوار مع الجمهورية الإسلامية في ظل ميزان قوى راجح لمصلحة الأخيرة. كان ذلك سيقود إلى التسليم بشروط الأقوى.
 
 
 
وأطلقت السعودية أولاً «عاصفة» عسكرية لاستعادة زمام المبادرة في اليمن. ونجحت في بناء تحالف إسلامي عسكري عريض بعد انضمامها إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة «داعش». وقطعت أشواطاً في مساعدة مصر من أجل استعادة دورها وثقلها في الإقليم. والأهم سعيها الآن إلى بناء ثلاثية مع تركيا. ولا شك في أن محادثات الملك سلمان بن عبدالعزيز في القاهرة عشية القمة الإسلامية، رسمت ملامح طريق قد ينتهي بترطيب العلاقات بين مصر وتركيا. وهو ما قد لا يسر طهران التي تحرص على علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع أنقرة، على رغم عمق الخلافات بينهما في كثير من الملفات والأزمات، من سورية إلى العراق وحتى ناغورنو قره باخ... مثلما تحرص على بقائها بعيداً عن العالم العربي.
 
 
 
تشعر إيران بالضيق من نتائج قمة إسطنبول. ومن نجاح خصومها في تسجيل مزيد من النقاط لضرب مشروعها التوسعي في الإقليم. وسيتفاقم هذا الشعور إذا نجحت المحادثات اليمنية المقررة في الكويت. وهي تؤشر إلى احتمال التوصل إلى تفاهم بين الشرعية وحركة الحوثيين، بعدما مهّد لها وفد منهم في الرياض. وكان عضو «اللجنة الثورية» للحركة يوسف الفيشي دعا طهران قبل أسابيع إلى «السكوت وترك الاستغلال والمزايدات في ملف اليمن». لم يصل «أنصار الله» ما وعدهم به من مدد وعون مسعود جزايري رئيس هيئة الأركان في القوات المسلحة الإيرانية. لم يبق أمامهم سوى إبلاغ المبعوث الدولي اسماعيل ولد الشيخ أحمد قبولهم القرار الدولي 2216، بعدما سُدت الأبواب في وجه مشروعهم. ووضعتهم السلطة الشرعية بالتغييرات الأخيرة التي أجراها الرئيس عبد ربه منصور هادي أمام خيار تنفيذ منطوق القرار الدولي ومقررات مؤتمر الحوار الوطني... أو تحمل تبعات الحسم العسكري. وبالطبع لا يؤشر قبولهم بالجلوس إلى طاولة المحادثات برعاية كويتية إلى بداية حوار بين السعودية والجمهورية الإسلامية. علماً أن الأخيرة كانت طلبت من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح التوسط بينها وبين المملكة، فاستعفى لأن لديه هو أيضاً اعتراضات على سياسة الجمهورية وتدخلاتها. ولأن بلاده جزء من التحالف العربي و «عاصفة الحزم»، وإن كانت قواتها تقف في الصف الخلفي، على حدود المملكة الجنوبية.
 
 
 
سقوط مشروع طهران في صنعاء سيدفعها إلى التصلب والتشدد بكل الوسائل للدفاع عن حضورها ودورها في كل من بغداد ودمشق. والواقع أن هذا الحضور في العراق يواجه تحديات لم تتوقف منذ إزاحة نوري المالكي. يكفي شعورها بأن الفوضى التي يواجهها العراق هذه الأيام، قلصت وتقلص من دورها وتأثيرها. لم تعد مطلقة اليدين في هذا البلد. سواء في مجريات الحرب على «داعش» أو في إدارة اللعبة السياسية الداخلية. فلا الدعم الذي قدمته إلى قوات «الحشد الشعبي» أثمر إنجازات كبيرة في مواجهة «دولة الخلافة»، ولا سعيها إلى ترسيخ وحدة «التحالف الوطني» الحاكم هدأ من الصراعات داخل البيت الشيعي. بل تكاد هذه الصراعات تعصف بأركان هذا البيت... وتقلقها رؤية رئيس الحكومة حيدر العبادي وقوى شيعية وهم يحاولون التخفيف من ثقل يديها ومحاولتها استلحاق بلاد الرافدين بقيادات قم أو «الحرس الثوري». كما أن الساحة لم تعد مقصورة على حضورها وحدها. عادت الولايات المتحدة شريكاً أساسياً. عادت عبر التفاهم التام مع قيادة كردستان والتنسيق مع قواتها في قتال التنظيم الإرهابي. وعادت عبر تأهيل المؤسسة العسكرية التي بدأت تنهض من النكسة التي أصابتها في سقوط الموصل. وعادت عبر إحياء التفاهم مجدداً مع القوى السنية التي تمد التحالف الدولي بمقاتلين من العشائر.
 
 
 
وحال إيران في سورية ليست أفضل. لم يفلح تدخلها العسكري المباشر مع عديد من الميليشيات المتعددة الجنسية في وقف انهيارات النظام. وساء هذا الوضع بعدما استنجدت ودمشق بموسكو.
 
 
 
وصارت هذه مركز الثقل الأساس والمركزي في تقرير وجهة الحرب والتسوية... وبالتفاهم مع الولايات المتحدة. والأهم أنها نجحت هي الأخرى، كما فعل الأميركيون في العراق، في إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية. وساعدها في إنجاز هذه المهمة امتعاض الجيش من تصرفات إيران وميليشياتها وتصريحاتها. وبلا شك إن مصير الرئيس بشار الأسد ورقة ثمينة بيد موسكو تقايض بها عندما يحين أوانها. وستفقد طهران برحيله حليفاً وازناً في منطقة يشكل عمقاً لوجودها في بلاد الرافدين، مثلما يشكل جسراً للتواصل مع حلفائها في لبنان.
 
 
 
يمكن قادة دول الخليج في قمتهم بعد أيام مع الرئيس باراك أوباما أن يجلسوا إلى الطاولة وبين أيديهم أوراق تمكنهم من تعديل ميزان القوى في الإقليم، وتوفر لهم بدائل جاهزة وحاضرة لا لبس فيها.
 
 
ولعلهم لا يتوقعون جديداً من الرئيس الأميركي الذي يتحرك في الوقت الضائع. لكنه يعرف أنهم أخذوا على عاتقهم مهمة التصدي لتدخلات إيران بتحالف عربي في اليمن. والانخراط في مواجهة الإرهاب خصوصاً في سورية والعراق واليمن بتحالف إسلامي عسكري واسع. والسعي إلى بناء تفاهم مع مصر وتركيا لإقامة مجموعة سياسية إقليمية قادرة على تغليب إرادتها وفرض رؤيتها إلى النظام الإقليمي الجديد. ولم يكتفوا بهذه الإجراءات في إطار عربي وإسلامي فقـــط. فهم لم يـــتوقفوا عن الحوار مع روسيا التي ترغب هي الأخرى في ألا تقصر علاقاتها على إيران. بل ترغب حتماً في علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع العالم العربي. كما لم يهملوا القوى التي تسعى إلى مشاركة الولايات المتحدة في إدارة شؤون العالم، من الصين إلى الهند وغـــيرهما. البدائل كثــــيرة لتـــعويض الغياب الأميركي... من دون أن يــــعني ذلك أنهم يديرون الــــظهر لحليفهم التقــــليدي. ولكن من باب وضعه أمام التزاماته التي تم التفاهم عليها في قمة كامب ديفيد قبل نحو سنة، والإجراءات التي أقرت وعلى رأسها، كما قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير «تعزيز التصدي للتدخلات الإيرانية في المنطقة، وتعزيز التعاون في مواجهة الإرهاب، وتعزيز التعاون الأمني في ما يتعلق ببناء قوات خاصة، وبناء منظومة مضادة للصواريخ الباليستية في دول مجلس التعاون...».
 
 
 
صحيفة "الحياة"