عاجل

فريحات لـ السوسنة: لم اوقع ولم اوافق ..

لقد سبقتك بها يا شيخ راشد.. التّعليم التّقني و المهني، القرارات المدمّرة

لقد سبقتك بها يا شيخ راشد.. التّعليم التّقني و المهني، القرارات المدمّرة
الكاتب : توفيق بن رمضان

لقد سبقتك بها يا شيخ راشد... لقد ذكر الشّيخ راشد الغنّوشي في خطابه البارحة أنّ من أسباب البطالة هو تدمير منظومة التّعليم التّقني و المهني، صدقت يا شيخ و لكنّني سبقتك بها، و قد نشرت مقال في هذا بجريدتكم، جريدة الفجر بتاريخ 19 أكتوبر 2012 و بجريدة الصّباح بتاريخ 04 أكتوبر 2012 و بعدّة مواقعة إلكترونية أخرى، و لكم نص المقال و فيه بعض التّعديل.
 
لا شكّ أنّ من أسباب أزمة التّشغيل و البطالة، هو تدمير منظومة التّعليم التّقني و المهني، فمن وراء تدمير هاته المنظومة التّي كانت موجودة بالمعاهد الفنّية زمن حكم بورقيبة، و للتّذكير فقد بنيت تلكم المنظومة و أنفقت فيها المليارات بعد الاستقلال، نعم من وراء هذا القرار و من تسبّب في هاته الكارثة؟ لا يمكن القول في هذه الجريمة و الكارثة إلاّ أنّها مؤامرة صهيو-غربيّة لضرب التّعليم التّقني الرّكن الأساسي للتّنمية و التّقدم و الإزدهار، و قد نفّذت تحت إشراف زعيم و أستاذ اليساريّين وزير التّربية السّيد محمد الشّرفي، و هذا مباشرة بعد حرب الخليج الأولى و بعد تطوير العراق لبعض الأسلحة و الصّواريخ.

و لنعد لمنظومة التّعليم التّقني و المهني، فهل يعقل أنّه بعد اكتمال بناء تلك المنظومة في أواخر الثّمانينات و التّي أنفقت فيها المليارات بعد الاستقلال، جاءنا السيد محمد الشّرفي و دمّر ما اكتمل بناؤه طيلة ثلاث عقود، و قد ارتكبت عدّة أخطاء أخرى فقد اتّخذ بعض وزراء بورقيبة و بن علي عدّة قرارات كارثيّة من غلق جامع الزيتونة و بناء شبكة مترو الساحل و غيرها من القرارت، و على سبيل الذّكر لا الحصر نذكّر بقرار إزالة شبكة الترنفاي سنة 1975 و مباشرة و في فترة وجيزة من اتّخاذ هذا القرار الكارثة تبيّن أنّه كان قرارا خاطئا، و بعد سنوات قليلة اتّخذوا قرار إعادة بناء المترو و كلّف هذا القرار العبثي المرتجل و الغير مدروس، أي قرار إزالة شبكة الترنفاي و إعادة بناء شبكة المترو الخفيف مليارات على المجموعة الوطنيّة التّي كان من الأحرى تخصيصها لمشاريع تنموية أخرى، و يجب اليوم التّدقيق و محاسبة من كانوا وراء هاته الكوارث و كلّ من اتخذوا قرارات مدمّرة في أي مجالا من المجالات الأخرى، و إن لم يكونوا على قيد الحياة.

و بعد تدمير منظومة التّعليم التّقني و المهني و إلى حدّ الآن منظومتي التّكوين المهني و المعاهد العليا للدّراسات التكنولوجية لم تتمكّنا من ملئ الفراغ الذي أحدثه إزالة تلك المنظومة التّي أنفقت فيها المليارات و الجهود و السّنوات و التّي كانت ناجحة و فاعلة في تكوين الكوادر الفنيّة و التقنيّة للاقتصاد الوطني، فقد كانت تساهم في تكوين عشرات الآلاف من التّقنيين المهرة في كلّ الاختصاصات و في كلّ الميادين التّقنية، الفلاحيّة و الاقتصاديّة و العديد من القطاعات الأخرى المهمّة.

و كلّ ما نشهده اليوم من تفاقم لأزمة البطالة سببه إزالة منظومة التّعليم التّقني و المهني، الذي انجرّ عنه إخفاق في التوجّهات و البرامج و المشاريع، فقد كوّنت منظومة التّعليم العالي كوادر لا حاجة للاقتصاد التّونسي بها، بينما أغلب القطاعات التّقنيّة و الصّناعيّة تشهد نقصا فادحا و واضحا من المهارات و الكفاءات، فالمشكلة مشكلة تكوين و اختيارات و تخطيط و استشراف بالأساس.

إنّ من بين الأسباب الأساسيّة التّي تسبّبت في انتشار البطالة و دفعت إلى ثورة الشّباب هو تدمير منظومة التّعليم التّقني و المهني، حيث أنّه لم يعد لدينا مهارات في الاختصاصات التّقنيّة و الفنيّة، كما أنّ جزءا هاما من حاملي الشّهائد العليا عاجزون على تلبيّة متطلّبات سوق الشّغل لعدم تطابق الاختصاصات و المهارات مع النّسيج الصّناعي و العروض المطلوبة، و أقول للمشرفين و المسئولين عن التّربية و التّكوين، يجب عليكم من اليوم الاستعداد للمستقبل القريب و للسّنوات القليلة المقبلة، و يجب أن تأخذوا في الحسبان الكارثة التّي ستواجهها الصّناعة التّونسية و كلّ المجالات الاقتصادية الأخرى، فعندما يحال على التّقاعد التقنيّين الذين تكوّنوا في منظومة التّعليم التقني و المهني و الذّين يمثّلون العمود الفقري في تسيير المؤسّسات الاقتصادية الخاصة و العموميّة، عندها لن تجدوا من يعوّضهم و ربّما سنجد أنفسنا مضطرّون إلى استقدام المهارات المطلوبة من الخارج، إنّ الأمر خطير و عليكم التّفكير فيه بجديّة و الاستعداد له من الآن قبل فوات الأوان و قبل أن "تقع الفأس في الرّأس" كما يقولون.

و تجدر الإشارة أنّه مدّة العقدين السابقين منظومة التّكوين المهني لم تتمكّن من استيعاب طلبات التّكوين المتزايدة، بسبب إزالة منظومة التّعليم التّقني و المهني و بلوغ الحدّ الأعلى لطلبات التكوين، و لحلّ مشكل استيعاب طالبي التّكوين تمّ الالتجاء إلى طريقة التّكوين بالتّداول التّي تسبّبت هي الأخرى في ضرب الجودة و تدمير منظومة التّكوين المهني المعوّل عليها في تعويض المنظومة المدمّرة بالمعاهد الفنّية، و قد وجدنا أنفسنا خلال السّنوات الأخيرة بمنظومة المعاهد التكنولوجيّة الغير فعّالة و منظومة التّكوين المهني العاجزة عن تلبية طلبات التّكوين من حيث الكم و الكيف، و يا ليتنا حافظنا على منظومة التّعليم التّقني و المهني التّي كانت ناجحة و متميّزة في تكوين اليد العاملة المختصّة في الكثير من المجالات و الاختصاصات، فلو بقيت تلك المنظومة قائمة و تمّت المحافظة عليها إلى اليوم و تطويرها و دعمها لما وصلنا إلى ما نحن عليه هاته السّنوات من أوضاع مزرية و من بطالة و فوضى و دمار، و لكانت أزمات التّشغيل و البطالة أقلّ حدّة، و للخروج من الأزمة على المشرفين على مؤسسات التّربية و التّكوين إصلاح ما تمّ تدميره في أقرب الآجال بإعادة بناء منظومة التّعليم التّقني و المهني بالمعاهد و مزيد التنسيق المحكم بين الأطراف المتدخلة إن كان في التعليم العالي أو التكوين المهني و طبعا وزارة التربية.

*نائب سابق و كاتب و ناشط سياسي تونسي