ناصر الدين الأسد العالم الحكيم

 ناصر الدين الأسد العالم الحكيم
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي
  الأستاذ العالم الجليل الفاضل د. ناصر الدين الأسد رحمه الله وغفر له، رجل دخل تاريخ الادب العربي من أوسع ابوابه وتتلمذ على ايدي كبار علماء الادب واللغة في القاهرة وعلى راسهم الاستاذ د. طه حسين عميد الادب العربي وشوقي ضيف 
     درس الدكتور الاسد في القاهرة عندما كانت محطة اشعاع العلم والادب وسط ظلام يعم البلدان العربية آنذاك، واستطاع ان يثبت جدارته في خضم ذلك المحيط الواسع الهائج من عباقرة اللغة والادب في حينه الذين شكلوا منارات اللغة وانضم الدكتور ناصر الدين إليهم ليكون منارة تطاولهم ولا تقل عن اعلى ذؤابة فيهم
تتلمذ على ايدي شوقي ضيف الذي أشرف على رسالته الدتوراه  وعباس محمود العقاد وطه حسين، وكان د ناصر الدين هو اول من تجرأ بشجاعة العلم والعبقرية على نسف نظرية طه حسين في الشعر الجاهلي الامر الذي اعتبره طه حسين أكبر وأول واخر تحدي له في ميدان عجز عن مجاراته فيه منارات الادب العربي وقاماته وهم : شوقي ضيف وعباس العقاد والمازني والرافعي .
 
له من السيرة التاريخية العطرة والانجاز العلمي الذي تمخض عن أكثر من خمسة وسبعين مؤلفا في منهج نادر ومواضيع لا يخوضها الا العباقرة , وله اسفار من محبة الناس واحترامهم له ما يجعله يزداد تألقا وبريقا في كل حين في حياته وبعد مماته .
    فانه وان مات او غاب الا ان اعماله وحسن سيرته وكتاباته تضعه في مصاف العباقرة والمبدعين العرب والعالميين في مجال اللغة والادب , بل هو صاحب مدرسة في هذا الاطار  تخرج منها عمالقة في الأردن وخارج  الأردن وكان يشار اليه بالبنان في مجال الادب واللغة , وعندما كان يتحدث يسكت الجميع لانهم تلاميذ في محراب الأستاذ الذي يفيض علما وحسن خلق .
 
عرفته شخصيا وهو رئيس الجامعة الأردنية عام 1977 وما بعدها وكنت اتردد على مكتبة الجامعة الأردنية لغايات بحث الماجستير في حينه، وكان من عاداته التجول في ارجاء الجامعة يتفقد الطلاب ويقف معهم ويستمع إليهم ولا يجدون منه الا ابتسامة الاب الحاني وعقلية الحكيم وتوجيه الأستاذ القدوة، ولا يوجد طالب الا ويحترمه وينظر اليه كعالم جليل اصيل واب مطاع الكلمة والتوجيه قبل ان يكون رئيسا للجامعة .
 
في عام 1978 وكنت ضابطا في مديرية الامن العام مررت يوم عيد الى بيت  المغفور له الشريف عبدالحميد شرف وكان في جبل عمان وتربطني به معرفة شخصية  , ووجدت عنده المرحوم د ناصر الدين الأسد رئيس الجامعة الأردنية انذاك ,  والمرحوم احمد الطراونة ( أبو هشام ) وكانت الجامعة الأردنية تغلي بأحداث تولدت على اثر يوم الأرض , وكانت تلك الاحداث مقلقة للدولة ومقلقة لنا في الامن العام , وكانت هي المهيمنة على حديث الرجال الثلاثة , وجلست استمع وهم يبحثون عن حل للتخلص من المشكلة المزمنة حول عدم تناسق نسب الطلاب مع الجغرافيا وتركيبة المجتمع بالأردن , وثلاثتهم في مواقع القرار .
 
لم يتوصل الرجال الى حل وهنا طلبت الحديث قائلا: هل مسموح لي يا سيادة الشريف ان أدلى بدلوي امام اساتذتي، فقال الشريف عبد الحميد، نعم لك الكلام، فانتبه العمالقة الثلاثة الي وما يمكن ان يقوله ضابط يافع بالامن العام , وكلهم يعرفونني معرفة شخصية .
 
قلت انصح ان تخصصوا نسبة للقبول بالجامعات لأبناء القوات المسلحة والامن والمخابرات والالوية، خارج التنافس العام المعتاد للقبول بالجامعة بحيث تنقلب نسبة التركيبة الطالبية وتركيبة الهيئات التدريسية في الجامعات لتصبح بعد عشر سنوات غير حالها الان .
  وهنا ضرب الشريف عبد الحميد رحمه الله يده بقوة وتأييد على طرف الاريكة وقال حلها العبادي, ثم اضاف بعفوية وذكاء البدوي الاصيل :  ونعمل مكرمة ملكية ونسبة للعسكريين والاولوية ونستصدر فيها إرادة ملكية وتعليمات، ومن تلك الجلسة وذلك الراي تولدت المكرمة الملكية للقوات المسلحة والالوية .
 
    وقد ايد الاستاذ د. ناصر الدين الاسد والاستاذ احمد الطراونة هذا الاقتراح بقوة وتحمس ,  واصدار المكرمة الملكية   التي اتاحت لعشرات الاف من الأردنيين من أبناء العشائر والقوات المسلحة والالوية ان يدرسوا في الجامعات منذ ذلك الحين الى الان , حوالي اربعين سنة , ولا داعي للحديث المفصل عن المكرمة  لأنها معروفة للجميع. 
 
  كانت صلتي بأستاذنا المغفور له الأستاذ د. ناصر الدين الأسد مستمرة ولكنها علاقة التلميذ بأستاذه والابن بوالده العلمي، وكنت استمتع لسماعه هو يتحدث اللغة العربية لأنه يتحدثها بلغة ومفردات جميلة جدا ويستخدم كلمات كنت استوقفه احيانا  للسؤال عن معناها, لانها كانت جديدة علي ولا استحي من السؤال عنها .
  كان المرحوم كنزا في اللغة والادب واللطف والتواضع واحترام الناس، وما رايته يوما الا مبتسما ولكن الجهات الرسمية لم تستغل وجوده وحياته وعبقريته وابداعه وكنزه العلمي لتسجيل حلقات طويلة عن اللغة في التلفاز وليس الاقتصار على تلك المقابلات اليتيمة في هذا الإطار، فقد كان المرحوم منجما ومنهلا لا ينضب من العلم واللطف والتواضع الراقي ولا يملك أحد محترم الا احترامه.
 
  كانت كنيته ابو البشر  وهو الابن البكر، وكان اسما جميلا ، وانا اسميت ابني البكر / البشر أيضا، وكان يقول أبا البشر مع ابي البشر، ويردد الشعر العربي القديم
أَفَاطِمُ لَوْ شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَبْتٍ ... وَقَدْ لاَقى الهِزَبْرُ أَخَاكِ بِشْرَا
إِذاً لَرَأَيْتِ لَيْثاً زَارَ لَيْثاً ... هِزَبْرَاً أَغْلَباُ لاقى هِزَبْرَا
وقائل هذه القصيدة هو بشر بن عَوانة العبدي يصف ملاقاته الأسد وما كان بينهما 
  ورث اولاده  كل من البشر ووائل  عن ابيهم الرقي والتواضع والادب واحترام الذات والناس وعدم التدخل فيما لا يعنيهم، والصفات الكريمة وزهدهم بالدنيا مثلما كان ابوهما زاهدا.ومن حق المرحوم د ناصر الدين الأسد على الدولة انصافه واولاده  ، فالمنارات الأردنية المحترمة النظيفة النزيهة التي وقع عليها الظلم من أمثال الدكتور ناصر الدين الأسد وكثير غيره ونحن منهم لا يجوز ان تمتد الى الأولاد والاحفاد  .
من حق المغفور له المرحوم ناصر الدين الاسد , ان يتم تكريمه أيضا من خلال كثير من الأبواب الرسمية والعلمية، ومهما يكن او كان فانه رحمه الله  يبقى منارة عالية مشعة وطودا شامخا لا تطاله الاقزام مهما تطاولوا ولا تدركه الازلام مهما حاولوا، رحمه الله واسكنه فسيح جناته .

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة