ربما لا - طلال إبراهيم

ربما لا - طلال إبراهيم

 " ها قد جاوزت الساعتين وبدأت الثالثة وأنا انتظر الحافلة.

 

 الحافلة المزعجة ذاتها، لقد تأخرت اليوم ...؟! ...ما زالت شمس الصباح مختبئة...       أصبحت الآن السادسة صباحاً ..والعجوز متأخرٌ اليوم !! أمرٌ غريب ...؟! حتى أن الدراجة الهوائية صاحبةُ الأربع عجلات تمرُ أمامَ عينيّ دون أن تتجاهلني هذه المرة... ـــ تفضل ، أخبار رائعةٌ اليوم ..!! يقدم لي شيئاً منقرضاً في عالمي .. فأنا لا أجيد القراءة ..فالحروف والكلمات تخنقني عندما أراها ..... وهذا ما جعلني أعمل في مهنتي هذه .. _ لا أريدها..! نظر في وجهي مستغرباً ... وعينيّ تقابل عينيه ... كأنه يستهزئ بي بطريقةٍ لائقة .. ليتني أخذتها منهُ ...!! ليتني .....!! تابع عمله ونظرات الاستغراب تملأ وجهه البني . لكن الغريب حقا ً، أن ورق الجرائد يصل بلدتنا قبل العجوز صاحب الحافلة السنبلية .. فقد اعتدت مجيء الحافلة مبكراً ..... أقل من نصف ساعة وأتأخر عن وظيفتي الحمقاء ...
 
الأمر يتعلق بمكنسة على عصا سمراء.. _ أكرهها .؟! جذب عقلي صوت... استرجع إليّ ماضٍ خطفه الحاضر قبل لحظات ... يرسم في ذهني صورة كان عنوانها جدي اتطلع لحركتها المنتظمة ...تسير كل واحدةٍ على حده... ذاهبة لمكان رعيها حقاً جعلتني أشتاق لأرض جدي الصفراء التي كانت تملؤها أغنامه... وكيف كان يحرثها ؟! وحليبها الثلجي الساخن الذي كان يعصره من ثديها المشرئب من أسفلها... كنّا نشربه معاً صباحاً .... يحمل عصاً طويلةً بعض الشيء.... يركب دابتهُ البيضاء .. لا  بأس ... فهو سلطان زمانه.... لديه مركب يأخذه حيثما يشاء دون أن ينتظر من يأخذه .... حقاً إنه أسعد إنسان بنظري... صار المكان لاثنين، أنا، وآخر يحمل كتاباً ..؟! ... صوت الحافلةِ مسستر إلى الآن ... الصوت الذي يذبح أذنيّ طربا ً .. صوت الحديد المتلاطم ببعضه.. حتى ذلك الوجه المكسو بياضاً لا وجود له ُ ... أتمنى أن تسير الأمور على ما يرام ..؟!!
 
يتسارع الوقت كأنه يلاحقني لسماع نغمة المشرف على العاملين : .." لقد تأخرتَ على وظيفتك ، لماذا إلى الآن ؟!!.. ماذا عن الموعد ؟؟!.." أظن أن الوقت عرف بأمر الحافلة العجوز ؟! ...عينا الطالب ستنفجران بالنظر لجميع الاتجاهات منتظراً قدوم الحافلة .... أظن للحظةٍ لو أتت الآن ستفر هاربةً خوفاً منها ..؟ هناك صوت يخرج من جيب بنطاله السماوي ... كذلك الذي كان أبي يستقظ عند سماعه صباحا ً.. أدخل يده إلى جيبه ... أخرجها ونظر اليها وتركها راكدة على خصره النحيف... واااو خيوط الشمس بدأت بالظهور ... يده تلمع منها ..... أصابني فضولٌ شديد لمعرفة ما هذا ؟!!... سأقرب رأسي قليلا اليها ...ربما أعرف سرها ... ... لم يتبين أي شيء ... سوى أن أصابع يده تحتضن بعضها... لا جدوى من الاقتراب... بلمح البصر رفعته وكأن شيئاً لم يكن ...نظرت إليه وهو ينظر إليها مرةً أخرى ... أوووه تباً له .... إنها ساعة نحاسية تذكرني بالوقت .... ربما هي تراث عن جده ... لقد تذكــ.......! ــــ أين قطعة الخردى القذرة ؟! لِمَ لمْ تأتي إلى الآن ؟!! قطعة خردة !!؟ ... أعليَّ إخباره أن قطعة الخردى هذه ستوصله لحيث يشاء ؟! وأن عليه قصراً أن ينتظرها ؟! .. فهي الوحيدة في بلدتنا... ــــ لقد تأخرت اليوم ربما تأتي بعد قليل، هدئ أعصابك ..!!.
 
نظرَ إليَّ وعيناه تنفجر غضباً، ظننته سيأكلني دون رحمة !! تأفف بوجهي وعاد يكرر نظراته الأولى ...!! السادسة وعشرين دقيقةً صباحاً ... يمر عامل النظافة ... تباً له ...يُذكرني بأني سأتأخر عن عملي ... يلملم شارعه على طريقتي ... كأنه أيضاً عرف بأمر الحافلة اليوم .؟؟! الوقت وعامل النظافة ... ربما أصبح عليَّ أن أجهّز لحناً يليق بتلك النغمة فور وصولي الشركة . مهلاً ...!! صوتٌ قادمٌ من الطريق المقابل يذبح اذنيّ طرباً ...يقترب منّا كثيرا ً ...ما هذا الصوت الجميل ..؟!! أحس بالطرب لسماعه ...ينقصني كوبٌ من القهوةِ وكرسيّ هزاز يتناغم مع دقاته .... اقترب كثيرا ً ......!!! !!! كعب حذاء الجنس اللطيف ...تعبر الطريق بخيلائها ....تصطف بجانبي كأنها لا تراني ..!! لا يهمني فقد تفصلني دقيقتان عن الخوار بوجهي ...!! بدأت أفكر بأمر العجوز ...لماذا تأخر كل هذا الوقت ؟؟! .... ما الذي ....؟! ـــ كم الساعة ؟!!
 
أرعبتني بصوتها الذكوري قليلا ...ظننتها المشرف للحظة ؟!! ولكن ماذا عن جمالها البيضاوي الزائد ؟!؛..عن لمعة شفتيها المحمرة ...؟! مشيتها الرقيقة ونغمة حذائها الحنونة ؟؟! ـــ إنها السادسة والنصف !! . أووووه ....تغلب الوقت عليّ وتأخرت عن عملي.. أصبحت أتآكل من أسئلة كثيرة تحيط بي ... أهمها : أين الحافلة ؟! غَضَبُ الطالب منعه من الانتظار أكثر ...فغادر تاركاً وراءه هدوءاً جميلاً ...كان يتأفف بشدةٍ وبكثرةٍ ... بقيت الفتاة جانبي ... ورائحة عطرها تمنع رائحة التراب الذي عانقه ندى الصباح....تكاد تحتل المكان كلَهُ ... يدخل أسماعنا صوت قادم من بلدتنا ... لابد أنه صوت سماعات المسجد ... فهو بعيدٌ عن هذا المكان قليلا ...
 
كأن هناك نبأ عن وفاة أحد.... لا يهمني ... رجع الطالب مجدداً ... لكنه هادئ ... وقف أمامنا ..وجهه يقابل وجهي وعيني ( تبحلق ) بعينيه .... ـــ انتظاركما لا جدوى منه ..!! لا أعلم ما كان يقصده ..ولكنه نظر للأسفل بائساً ...كالطفل الذي ارتكب ذنباً ..وأدركه .. عاد إلى الطريق المؤدي للبلدة .. ـــ هِي أنت ..ماذا تعني ؟؟! ...تجاهلني ...تباً له ..!! السابعة إلا ربعٍ الآن ... ترعبني الفتاة بشهقة ...وهي تنظر إلى هاتفها ... كنت أريد أن اسألها ... لكن الإحراج يعذبني .. ربما جاءها نبأ من عائلتها لا يخصني ... قالت : من الأفضل ألّا ننتظر أكثر ...فلن نستفيد شيئاً ... ماذا أصابها هذه أيضاً ..؟! ـــ هلّا أخبرتني .....؟! هي أيضاً تجاهلتني ورجعت إلى طريق البلدة ... لا أعلم ماذا هناك !!؟ بدأت تدور بمخيلتي أسئلةً كثيرةً ... لماذا تأخرت الحافلة ؟! ما الذي قصداه الطالب والفتاة قبل أن يغادرا ؟؟!. أسئلةً كثيرة ..... أهمها : هل سأعاقب بصوت المشرف .؟! ربما ، وربما لا .... 

التعليقات

محمود مقدادي -

10/01/2017 | ( 1 ) -
وفقك الله يا من أحببت ?

محمد الدهني - بيت ايدس

10/01/2017 | ( 2 ) -
اني لافتخر باخ مثلك يا طلال......

محمد الدهني - بيت ايدس

10/01/2017 | ( 3 ) -
اني لافتخر باخ مثلك يا طلال......
إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها