«لعبة الأمم» تنذر بمواجهة تركية ـ سورية - غسان الإمام

«لعبة الأمم» تنذر بمواجهة تركية ـ سورية - غسان الإمام

 هناك لعبة أمم تستكمل شروطها الأمنية على ضفة الفرات، فور عبوره الحدود التركية، لينساب في السهل السوري: حروب تندلع. وحروب تنطفئ. حدود تنمحي. وحدود ترتسم. دول تحضر. ودول تغيب. أنظمة تتشكل. وأنظمة تتآكل. تنظيمات تذوب.

وتنظيمات تنتشر. مدن تغص بالنازحين واللاجئين. ومدن تُدمر. أحلاف تقوم. وأحلاف تموت. تجمعات سكانية تُهجر. وتجمعات تباد. حصار يجيع مئات الألوف. معتقلات للتعذيب تتحول إلى مسالخ بشرية. مقابر جماعية بلا شواهد وأسماء. ميليشيات من المرتزقة المسلحة آتية من لدن جيران أقربين وغرباء أبعدين.

حفر الأتراك وطنهم بالأظافر. ودافعوا عنه بالأنياب والخناجر. فشكلت الشروخ على السطح ثغرات لأقوام. وأقليات. ومذاهب، تنخر في الوطن عزلةً وغربةً حينًا. وكراهيةً وحقدًا حينًا. تركيا الدولة التي كانت أكثر حذرًا أغلقت بوابتها الأوروبية. وفتحت بوابتها الشرقية. فباتت الدولة الأكثر تورطًا وخطرًا.
 
رسمت تركيا سياسة بلا خصوم. فتكاثر الأعداء في الداخل والخارج! أسس المهاجر فتح الله غولن مدارس في الخارج. وزرع معارضات في الداخل. في الجيش. والإدارة. والقضاء. كان بإمكانه إقامة معارضة علنية. سلمية. نيابية. ديمقراطية. فاتهم أنصاره بمحاولة انقلاب دموي فاشل.
 
استكملت الإمبراطورية العثمانية استدارة هضبة الأناضول في القرون الوسطى. فأخرجوا الغزاة الفرس. فبقي الأكراد مادة من حديد وعنف. لا هي تنصهر سلمًا في بوتقة الغالبية. ولا هي قادرة على الانفصال بالقوة.
 
استغل الأكراد ضعف الجيران. فأقاموا دولة شبه مستقلة في كردستان العراق. انتهزوا انتفاضة سورية عمياء سيَّست إسلامها. وتخلت عن عروبتها. فأنشأوا دويلة حكم ذاتي في شرق الفرات. قادرة على الامتداد إلى كردستان العراق. عبروا الفرات غربًا لاستكمال رسم كردستان السورية. فاصطدموا بتركيا الخائفة على أمنها الحدودي والقومي. وتواصلها مع عرب سوريا والعراق.
 
عبر الروس مضيق البوسفور. ليتورطوا في سوريا. فاضطروا إلى مداراة تركيا. عبر الأتراك الحدود السورية، ليسقطوا حلم الأكراد بدولة على أرض عربية. نظم الأتراك معارضة سورية مسلحة (الجيش السوري الحر). كلّفوها استعادة بلدة «الباب» الاستراتيجية من «داعش». فقعدت هذه المعارضة شهورًا متكاسلة عن تأدية المهمة. أغلق الأتراك «الباب» من الشمال. والشرق. والغرب. وتركوا الجنوب بابًا مفتوحًا، ليهرب منه «الدواعش».
 
دمر بشار حلب. شجعته إيران. فشرب حليب السباع. زودته بمرتزقة «حزب الله». ودفعته إلى تجربة حظه بانتزاع «الباب» من الأتراك عبر البوابة الجنوبية. آهٍ من الجنوب! وضعت لعبة الأمم إردوغان وبشار في حالة حرب على بوابة «الباب».
«داعش» ينتظر نهاية دولته في العراق هذا العام. ويعوِّل لبقائها في سوريا على حربه الإرهابية داخل تركيا. وعلى حرب إيران ومرتزقتها ضد تركيا في «الباب». لماذا «الباب» يفتح كل هذه الأبواب؟ «داعش» يعتبر «الباب» بوابة اتصال لوجستية، بعد فقدان «الباب» العراقي، بإغلاق بوابة الموصل الشرقية.
 
هل نظام بشار قادر على الدخول في حرب استنزاف ضد تركيا في سوريا؟ ربما، إذا كانت إيران قادرة على تزييت وتمويل نظامه الذي استنزفته، بشريًا واقتصاديًا، حروب ست سنوات. وربما أيضًا، إذا كانت روسيا قادرة على لجم القوة التركية المتفوقة في الجيب السوري الذي تحتله.
 
تركيا خسرت عساكر في «الباب». وأملها أن يتحول جيبها السوري (نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع) إلى منطقة آمنة تستوعب مئات ألوف النازحين السوريين. وتخفف من كثافة 3.5 مليون لاجئ سوري لديها. بل في استطاعتها أن توسع المنطقة، بوصول الجيش التركي إلى حلب التي لطالما اشتهتها تركيا في «لعبة الأمم» التي أنهت الإمبراطورية العثمانية، في عشرينات القرن الماضي.
 
تبقى العلاقة التركية - الروسية إشكالية يكتنفها غموض شديد. تلقت تركيا ضربة على اليد، في الغارة الروسية على «الباب» التي قتل فيها ثلاثة جنود أتراك. واستدعت تقديم اعتذار من القيصر للسلطان. ووعدٍ بتنظيم وتنسيق الحركة العسكرية بين البلدين في سوريا.
 
إيران وبشار يدعيان أن روسيا حيّدت تركيا في «الباب». وسمحت لهما باحتلال البلدة الاستراتيجية. «الباب العالي» في إسطنبول أعلن أن قواته دخلت «الباب». وتقوم بعملية تمشيط، لتطهيرها من عناصر «داعش».
 
هذا يعني أن القوات التركية ستمنع مرتزقة بشار من دخول «الباب»، إلا إذا كان هناك ترتيب متفق عليه بين تركيا وروسيا. لا تركيا تكشف السر. ولا روسيا تتخلى عن الصمت. التخلي التركي عن «الباب» سيقابله السماح لتركيا بالمشاركة في معركة تحرير الرقة من نير «داعش». ومنع الميليشيات الكردية التي يدعمها حزب العمال الكردي في تركيا من التقدم نحو الرقة، بالدبابات الأميركية التي زودها بها الرئيسان أوباما وترمب.
 
الهدف الاستراتيجي التركي هو تقويض الحكم الذاتي الكردي الذي أقيم في محاذاة الحدود التركية في شرق الفرات. وبذلك، تكون تركيا قد نجحت في تبديد الحلم الكردي، بإقامة دولة كردية في الشمال السوري، مدعومة أميركيًا وأوروبيًا.
 
أين أميركا في مزاد «لعبة الأمم»؟ إذا استمر شهر العسل بين بوتين وترمب، فسيبقى الدور الأميركي منضويًا تحت المظلة الروسية. هناك مصالح مشتركة أيضًا، في تبديد العنف الديني. والقضاء على «الدولة الداعشية» المزعومة و«جبهة النصرة» (تنظيم فتح الشام الذي يخصّه الطيران الأميركي بالغارات في محافظة إدلب السورية).
 
وأين العرب في «لعبة الأمم»؟ حضرت كازاخستان مزاد آستانة. وتم تغييب العرب قسرًا. اللهم إلا النظام الأردني. فبعد استشارة قيصر الكرملين. و«تبييت الاستخارة» عند صاحب العمارة في نيويورك، حضر الأردن واقفًا وراء نظارة مراقب. الأردن خبير في استطلاع الأجواء والآفاق بالنظارات. لعل الظروف الدولية والإقليمية تسمح بإقامة منطقة آمنة للاجئين المرفوضين في الداخل. والنازحين الممنوعين على الحدود. فلا يغزوهم «داعش» بحجارة من سجّيل. ولا يبيدهم بشار بالبراميل. ولا تقصفهم السوخوي. و«إف35».
 
وضع العرب بيضهم في السلة التركية. وقعدوا يتابعون المزايدة أمس في آستانة. وغدًا في جنيف. أين الساحر الدولي ستيفان دي ميستورا؟ خلّيها مستورة. هو أيضًا يراهن على عصا المايسترو الروسي. فالمشاورة أفضل مع الرفيق لافروف. فهو المزايد. وهو واضع الدستور. وهو المنسق للنظام الانتقالي. وهو المدير لنظام يرفض الانتقال إلى الآخرة. من يزايد؟ من يبيع ويشتري في سوريا؟ المزايدون كثر. والمايسترو حاضر. ولعبة الأمم على أُونة. على دُوِّهْ. على تريه.
نقلاً عن الشرق الأوسط

التعليقات

إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها