ترامب «والإخوان» - محمد خلفان الصوافي

ترامب «والإخوان» - محمد خلفان الصوافي

 جماعة «الإخوان المسلمين» ومعها تنظيمات الإسلام السياسي تشعر بقلق كبير من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي كشفهم على حقيقتهم وصنفهم ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية الأخرى مثل «القاعدة» و«داعش» و«حزب الله» اللبناني. هذا الأمر دفع جماعة «الإخوان» إلى تحريك أذرعها السياسية في الغرب من أجل محاولة إقناع الإدارة الجديدة بعدم السير نحو تصنيفها إرهابية.

 

يبدو أن حكم الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، كان فرصة أخيرة لـ«الإخوان»، حيث وفر لهم مناخاً سياسياً مواتياً، أنعش لهم تحركاتهم في العالم، فقد استغلوا جهل المجتمع الغربي بتاريخهم المليء بالاغتيالات وعملوا على إقناعه بأن هناك فرقاً بين التنظيمات المتطرفة و«الإخوان»، وبالتالي تبدو خطوة ترامب هذه بمثابة انتقال المواجهة الأمنية لـ«الإخوان المسلمين» في الدول الغربية إلى «المجتمع»، باعتبار أن قوة هذا التنظيم هناك في المجتمعات، فالمرحلة المقبلة ستشهد مواجهة فكرية، وهي الجانب الأخطر والأعمق تأثيراً عليهم.
 
هناك انزعاج عالمي من سياسات ترامب، وربما تكون قضية المهاجرين هي الأوضح الآن، لكنه أيضاً أربك الكثير من الملفات السياسية في العالم ذات العلاقة بمنطقتنا، خاصة فيما يتصل بالعلاقات الأميركية الإيرانية. ويبدو أن ملف «الإخوان» هو الأكثر إرباكاً الآن على الساحة الأوروبية والعالمية، على اعتبار أن تصنيف «الإخوان» كجماعة إرهابية ستنتج عنه مواقف سياسية من جانب العديد من الدول في العالم وربما من تنظيمات إسلامية أخرى ترى فيهم خطراً عليها.
 
وتعطي فكرة عداء ترامب لـ«الإخوان المسلمين» مؤشراً بأن المرحلة المقبلة ستحشر هذا التنظيم في زاوية ضيقة، بل إنه من غير المستبعد أن تسهم الدول الأخرى، بما فيها الدول التي تستضيفهم، وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في التضييق عليهم أيضاً.
والنقطة المثيرة في علاقة الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، أن «الأذرع الإعلامية» التابعة لـ«الإخوان المسلمين» المنتشرة في الغرب، تحاول إيهام الرأي العام هناك بأن سلوك الحركات المتطرفة هو عبارة عن رد فعل للسياسات الأميركية ضد القضايا العربية والإسلامية في المنطقة، أو أنه ناجم عن غضب شعبي على الحكومات العربية، مع أن الأمر في حقيقته مختلف تماماً، فالأصل في توجهات تلك التنظيمات أن الإرهاب والتطرف صناعة تحترفها هذه التنظيمات خدمة لمصالحها السياسية، والدليل أنها تقوم منذ نشأتها بعمليات التفجير والقتل.
 
الواقع أن عمق «أزمة الإرهاب» التي يعاني منها المجتمع الدولي لا يمكن أن يكون نتيجة لسلوكيات أفراد أو رد فعل، بقدر ما أن هناك أدبيات لجماعات تمرست على غرس أفكار تحث الإنسان العادي على القيام بعمليات إرهابية، والعودة إلى الفكر الإخواني التقليدي تُبرز أنه قائم على التطرف والإرهاب.
 
يشكك الكثيرون في جدية المواقف السياسية للإدارة الأميركية الجديدة، على اعتبار أنها ما زالت «بالونات اختبار» للرئيس ترامب وأنه من الممكن أن تتغير تلك المواقف خلال الأيام القليلة المقبلة. لكن وفق التعامل البراغماتي فإن التصريح عن نية الإدارة الجديدة في تصنيف «الإخوان» كجماعة إرهابية هي مناسبة لفضح بعض المنظمات التي تزعم أنها تدافع عن حقوق الإنسان، مثل منظمة «هيومان رايتس ووتش»، كما يمكن النظر إليها على أنها «محفز» أو عامل مثير لفضول الإنسان الغربي للبحث عن حقيقة هذا التنظيم.
 
هذا الموقف سيفتح أعين المراقبين على الشبكات التي ترتبط بـ«الإخوان» تحت مسميات مختلفة وستشجع دولاً على التضييق عليهم، مثلما يحدث في أستراليا حالياً. حقيقة أن مجرد التفكير في موقف الإدارة الأميركية الجديدة من «الإخوان» هو بحد ذاته ضربة سياسية موجعة للجماعة عالمياً.
 
هذه النقلة الأميركية في محاربة «الإخوان» تمنح شرعية لمواقف دول عربية كانت واضحة من أفكار «الجماعة»، وينبغي أن تكون هذه النقلة فرصة لاستغلال هذا الموقف والاستفادة منه في إحداث المزيد من الانشقاقات بين التنظيمات التابعة لها، مثل «اتحاد المنظمات الإسلامية» المنتشرة في العديد من دول العالم، والتي بدأت تتبرأ منهم.
 
يمكن اعتبار التحرك الأميركي بداية حقيقية لتقييم أفكار «الإخوان المسلمين» التدميرية في المجتمعات الغربية، وتحركهم لممارسة الضغط دليل على حجم الخسائر التي يمكن أن تنتج عن هذا التحرك. كما يمكن اعتبار التحرك إشارة سيئة ومقلقة للكثير من الدول التي تستضيفهم والتنظيمات التي ازدهرت في عهد أوباما، فالصورة الكبيرة تقول إن «الإخوان» لم يعودوا آمنين في أوروبا، وإن الجغرافيا السياسية التي استكانوا إليها لعقود لم تعد آمنة.
 
* نقلا عن "الاتحاد"