الشعبوية حين تفقد أعصابها

الشعبوية حين تفقد أعصابها
الكاتب : حازم صاغية

 يذهب بعض محلّلي الشعبوية إلى أن ملمحها الأبرز ليس العداء للنخب أو للمؤسّسة، بل تقسيمها المواطنين إلى من هم «أصدقاء الشعب» ومن هم «أعداؤه». والأخيرون، كائناً ما كان حجمهم، يصوّرهم الشعبويون كمجرّد حفنة متآمرة مع الخارج تستحقّ العقاب بحرمانها من حقوقها السياسية وبتعطيل المؤسسات التي تضمن لها حقوقاً تساويها بالآخرين.

 

هذه بالضبط حالة بلد كفنزويلا اليوم. فوسط أزمة اقتصادية هائلة تأدى عنها اختفاء سلع غذائية أساسية، وانهيار متمادٍ للعملة، ووسط توتر في الشارع يتخذ أشكالاً دموية (110 قتلى خلال أربعة أشهر)، عثر الرئيس نيكولاس مادورو على الحلّ:
 
انتخاب جمعية تأسيسية تكون بديلاً عن البرلمان. ذاك أن أكثرية أعضاء البرلمان المنتخب هي من معارضيه، أي من «أعداء الشعب»، فيما «الجمعية التأسيسية» الجديدة، التي قاطعت غالبية الفنزويليين انتخابها، تمثل «أصدقاء الشعب».
 
والحال أن الرئيس الراحل هوغو شافيز -أستاذ مادورو- كان قد سبقه إلى هذا الإجراء الاستبدالي. فقد أنشأ هو أيضاً، في محاولته الالتفاف على النظام الديمقراطي، ما عُرف بـ«الدوائر البوليفارية»، نسبةً إلى رمز الاستقلال الفنزويلي سيمون بوليفار. لكن فشل المحاولة الشافيزية يومذاك لم يحل دون تكرارها قبل بضعة أيام على يد رفيقه مادورو.
 
هكذا أنشئت «الجمعية التأسيسية» التي تضمّ 545 عضواً في عدادهم نجل مادورو وزوجته، كما تولت رئاستها وزيرة الخارجية السابقة المعروفة بولائها الشديد لمادورو، دلسي رودريغز. لكن هذه «الجمعية» التي أعطيت لها صلاحيات ضخمة في عدادها إعادة كتابة الدستور وحل البرلمان المنتخب القائم، قد تكون مقدمة لانفجار واسع لا يُستبعد معه قيام انقلاب عسكري أو نشوب حرب أهلية. في هذا الإطار جاء إعلان السلطة عن إحباط هجوم على قاعدة عسكريّة في مدينة فالنسيا، في الشمال الغربي.
ذاك أن «انتخاب جمعيّة تأسيسيّة» (بهدف إحداث «المصالحة والسلام» بحسب لغة النظام) إنما ترافق مع كافة الإجراءات النمطية في سلوك الشعبويين:
 
- حملة واسعة على «المؤامرات الخارجية» و«التدخل في شؤوننا الوطنية والسيادية»، وهذا مع العلم بأن طرفاً مسلّماً بحياده وتَعاليه كالفاتيكان شارك في حملة التنديد بـ«الانتخابات» الأخيرة.
 
- اعتقال صحافيين معارضين وإقالة المدعية العامة المعروفة بانتقاداتها لمادورو، لويزا أورتيغا، وكذلك احتجاز اثنين من أبرز قادة المعارضة بتهمة إثارة أعمال شغب في 2014، هما ليوبولدو لوبيز وأنطونيو ليديزما.
 
وبالطبع لا يكتمل السيناريو الشعبوي إلا بالتذكير بما أصبح لازمة شديدة التكرار في أكثر من بلد: اعتماد مادورو في سياسته هذه على صداقة موسكو وبعض الحكومات الشعبوية التي تشبه حكومته في الشطر الجنوبي من القارة.
 
ولكنّ أميركا اللاتينيّة تحتفظ في ذاكرتها بما حدث في أواخر صيف 1973. فحينذاك أطيحت في تشيلي حكومة اشتراكية كان على رأسها سلفادور أليندي الذي قُتل أثناء تصدّيه للانقلاب العسكري اليميني والمدعوم من الولايات المتحدة الأميركية. لقد كان ذاك الانقلاب على حكومة ديمقراطية منتخبة يوماً أسود لتشيلي ولعموم أميركا اللاتينية. وهو ما لم تستطع تبريره بعض الحجج، وفي عدادها أن الزمن يومذاك كان زمن حرب باردة، أو أن حكومة أليندي لم تُـجد التعامل مع اقتصاد البلد الذي زادته سوءاً وتخبطاً. ذاك أن الانقلاب على حكم منتخب ديمقراطياً يبقى عملاً مرفوضاً، كائنة ما كانت الذرائع والحجج.
 
واليوم، ومن موقع يساري، قد يفعل مادورو ما فعله قبل 44 عاماً أوغستو بينوشيه، قائد الانقلاب التشيلي، من موقع يميني. فهو ينقلب على الديمقراطية بطريقة لا تكتم توترها واستعجالها وفقدانها الواضح للأعصاب. وأغلب الظنّ أن سكان فنزويلا وأبناء أميركا اللاتينية سيتذكرون طويلاً مادورو مثلما تذكروا، ولا زالوا يتذكرون، بينوشيه. وهذا ما يُفترض أن لا يسرّ صاحبه.
 
* نقلا عن "الاتحاد"