من يتوقع مواقف ترامب؟ - د. منار الشوربجي

من يتوقع مواقف ترامب؟ - د. منار الشوربجي

 الخطوة التي اتخذها ترامب الأسبوع الماضي كانت بمثابة زلزال قوي لحزبه رغم أنها لم تكن مفاجئة من حيث مضمونها لمن تابع أداء الرئيس الأميركي في السياسة الداخلية والخارجية خلال الشهور الماضية، فقد دعا دونالد ترامب قيادات الكونجرس الجمهوريين والديمقراطيين للقائه بالبيت الأبيض لمناقشة أجندة المؤسسة التشريعية خلال الأسابيع المقبلة.

 
وفى اللقاء، فاجأ ترامب قيادات حزبه بتجاهل رأيهم المعارض، ووافق على اقتراح للديمقراطيين رغم أنفهم. ثم تحدث للصحافيين فذكر اللقاء والاتفاق الذي عقده مع زعماء الديمقراطيين.
 
ولم يذكر قيادات حزبه بالمرة وكأنهم لم يحضروا اللقاء، ثم سافر لولاية نورث داكوتا لإلقاء خطاب هناك، فدعا السيناتور الديمقراطية عن الولاية لتصحبه على الطائرة الرئاسية ثم على المنصة أثناء إلقاء خطابه بالولاية، وأثنى عليها في بداية حديثه.
 
وأصل الحكاية أن شهر سبتمبر الجاري شهر حاسم على أجندة المؤسسة التشريعية الأميركية، فلأن الكونجرس هو الذي يملك دستورياً «محفظة» الولايات المتحدة الأميركية، أي التمويل، فإن عليه أن ينظر في رفع سقف الدين الفيدرالي، وتمويل كافة الوزارات والهيئات الفيدرالية ولو بشكل مؤقت لحين إصدار القوانين الخاصة بالتمويل للعام المالي الجديد.
 
ونظراً للظروف الطارئة التي تمر بها الولايات المتحدة عشية إعصاري هارفي وإرما فإن على الكونجرس أن يمول أيضاً برنامجاً لمساعدة المنكوبين وإعمار المناطق التي دمرتها المياه.
 
وقيادات الحزب الجمهوري في الكونجرس، حزب الرئيس، كانت تسعى لرفع سقف الدين لمدة ثمانية عشر شهراً، دفعة واحدة، أي إلى ما بعد انتخابات 2018 التشريعية، حتى يتجنب أعضاء الحزب اتخاذ أية مواقف مكلفة سياسياً عشية الانتخابات.
 
لكن ترامب انحاز لاقتراح الديمقراطيين، الذين اتفقوا معه في نهاية اللقاء، على رفع سقف الدين لمدة ثلاثة أشهر فقط وربط ذلك بإصدار الكونجرس لقانون يمول الحكومة الفيدرالية لفترة مؤقتة، وإصدار قانون آخر لتمويل برامج لمنكوبي إعصار هارفي. وقد وافق الرئيس على ذلك الاقتراح رغم اعتراض وزيره للمالية وقيادات حزبه الذين حضروا اللقاء.
 
أكثر من ذلك، قام الرئيس بالتواصل مع الزعماء الديمقراطيين بعد اللقاء وكتب عبر تويتر، بناء على اقتراح من نانسي بيلوزي، زعيمة الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب، يطمئن الشباب الذين دخلوا أميركا صغاراً بشكل غير شرعي مع ذويهم.
 
وهم الشباب الذين كان ترامب قد أصدر قراراً قبل ساعات بإلغاء البرنامج الذي يحميهم من الطرد من الأراضي الأميركية والمعروف اختصاراً باسم قانون «داكا». وقد مثل كل ذلك إحراجا بالغاً لقيادات الحزب الجمهوري أمام أعضاء حزبهم في الكونجرس، فرئيس مجلس النواب، بول رايان، كان قبل لقاء البيت الأبيض قد أطلق على اقتراح الديمقراطيين الذي وافق عليه الرئيس «سخيف ومشين».
 
فكانت موافقة الرئيس صفعة قوية تلقى بعدها رايان انتقادات واسعة من زملائه الجمهوريين بالكونجرس، والذين رفضوا التصويت على الاقتراح. والشيء نفسه جرى مع متش ماكونيل بمجلس الشيوخ، حيث وصل الأمر لمطالبة بعض الجمهوريين يطالبون بتركه موقع زعيم الأغلبية بالمجلس.
 
ورغم أن تحالف ترامب مع الديمقراطيين كان بمثابة زلزال لقيادات الحزب الجمهوري، يغير قواعد اللعبة في واشنطن، إلا أنه ليس مفاجئاً في حقيقة الأمر. صحيح أن تلك هي المرة الأولى على الإطلاق التي يتعاون فيها ترامب مع الديمقراطيين منذ توليه الرئاسة إلا أن أداء الرئيس الأميركى طوال الشهور الماضية كان مؤشراً مهماً.
 
فمن الصحيح أن ترامب منذ أن دخل البيت الأبيض لم يترك مناسبة إلا وانتقد فيها الديمقراطيين وتعاون منذ اللحظة الأولى مع حزبه فقط في المؤسسة التشريعية، لكن من الصحيح أيضاً أن ترامب لم يخف، خصوصاً في الفترة الأخيرة، استياءه من زعماء حزبه في الكونجرس، فهو طالما انتقد رئيس مجلس النواب، بول رايان، خصوصاً بعد الفشل في إلغاء قانون أوباما للرعاية الصحية.
 
والرئيس أمضى شهر أغسطس يوجه انتقادات مستمرة عبر تويتر لمتش ماكونيل زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ، حتى إن تقارير إعلامية كثيرة تحدثت عن توتر شديد في العلاقة بين الرجلين. والبيت الأبيض لم ينف توتر العلاقة بين الرئيس وقيادات حزبه بالكونجرس.
 
والذي كان مدير مكتب الرئيس للميزانية آخر من اعترف به علناً، لكن الأهم من هذا وذاك هو أن من تابع أداء ترامب منذ الحملة الانتخابية يدرك أن الرئيس الأميركى يعتبر نفسه «من خارج النخبة السياسية في واشنطن»، (بغض النظر عن صحة ذلك فعلياً)، ومن ثم فهو لا يرى نفسه مسؤولاً عن مستقبل الحزب الجمهوري الذي دخل البيت الأبيض تحت شارته.
 
الأخطر من ذلك هو أن من تابع ترامب عن كثب طوال شهور حكمه يدرك بوضوح أن الرئيس الأميركى يثمن للغاية أن تظل مواقفه وردود أفعاله غير متوقعة، بل إنه صرح بذلك غير مرة. وتلك السمة تحديداً لها تبعات جسيمة بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية بدرجة مماثلة إن لم تكن أكثر من تبعاتها على سياستها الداخلية.