وفد الوجهاء‎

وفد الوجهاء‎
الكاتب : صابر العبادي

 كانوا دائمي الشكوى من الأوضاع التي يعيشونها، ومن التهميش الذي يتعرضون له، يحزنهم وضع الناس المتردي، وهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا حياله.

 
طال بهم الأمد، وهم ينظرون الى الناس بشفقة حيناً، وبتعالٍ أحياناً كثيرة..
 
الى أن جاء ذلك اليوم، الذي أخبرهم فيه رئيس المخفر أن لهم لقاء في ديوان الأمير، يسمع منهم، يطمئن على أوضاعهم وأوضاع الناس، ويسألهم ما الحلول التي يقترحونها للوضع المتردي الذي سمع عنه.
 
طار الخبر بين الناس كالانفجار، دخل كل بيت، وأسمع كل رب أسرة، وانتفض له قلب كل شاب وصبية، وطفل وطفلة، فأشرقت الوجوه، وحلقت الخيالات في عوالم سحرية تَعِد بحياة فضلى.
 
وفي اليوم الموعود تزين الوفد باللباس العربي، وراحت العباءات تتبختر الى مكان الديوان، ترفرف بنشوة، تحركها رياح الزهو والكبرياء، أقلعوا من الواقع الى سماء الخيالات المجنحة.
 
كانت أقدامهم لا تقوى على حملهم وهم يدخلون الى المكان، عيونهم تلتقط صورا مبعثرة لا يربط بينها رابط، لدهشتهم!! ما إن جلسوا في المكان المخصص حتى اصطكت ركبهم وانضمت الى بعضها لتمنع شيئا قد لا يكون في الحسبان... ران  عليهم وقار وملل في انتظار طلة الأمير، وأخذ كل واحد يحدث نفسه بأي شيء سيُحدّث الأمير، لكن (حال الجريض عن القريض)، فخشعت الأبصار فلا تسمع الا همهمة.
 
بدأت حركة غير عادية حولهم، حركة سريعة، الأصوات انتهت، فلا تسمع الا وقع أقدام، فزاد القلق والعيون صغرت وصارت تشاغل الأعين المقابلة، وارتسمت على محيا كل منهم ابتسامة ممطوطة لا تُظهر سناً ولا تفرح قلبا، وبينما هم كذلك، ظهر من بين الأروقة شخص الأمير يتقدمه الحرس، اقترب منهم تظهر عليه علامات الجدية والانشغال، فوقف الجميع تحية له، فصافحهم وجلس.
 
عاد ارتباك الجلسات، لم يفكروا قبل اليوم بكيفية الجلسة، وهم من تعودوا على الجلسات (المنشكحة) شغلتهم الان الجلسة وضاقوا ضرعا بأرجلهم كيف يوجهونها، تريد إحداهما الاتكاء على الأخرى فتزجرها صاحبتها فتعود الى أدبها المصطنع، الأنفاس لا تكاد تنتظم، وهناك شيء يقبع فوق المعدة يغري بعضهم بالبكاء.
 
كانت دقائق قليلة، لكن رؤسهم حدثت فيها عمليات تحتاج سنين لاستيعابها!!
 
فكر كل واحد منهم فيما قبل هذه اللحظة، وما بعدها، ماذا أجني وماذا ينتظرني من قرة أعين؟ وكيف أعود الى البؤساء؟! هل سأكون مثلهم، هل أتعامل معهم كالسابق؟! ماذا سأفعل بعد هذه اللحظة التاريخية؟.
 
بعد هذه الانثيالات في أفكارهم، نطق الأمير، وطلب من كبيرهم أن يلخص له احتياجاتهم، فارتبك الشيخ، تنحنح وسعل وحك لحيته، ثم قال: يا مولاي نحن لا نريدك الا سالما غانما، كلنا أمل أن تتقبل منّا هديتنا، التي شارك بها كل أهل البلد، هذا السيف المطلي بالذهب المرصع بالجواهر هدية من شعبك الوفي.