الاقتصاد الأردني: سيناريو الأزمة واجترار الحلول

الاقتصاد الأردني: سيناريو الأزمة واجترار الحلول
الكاتب : د. حسين البناء

عندما ينسد الأفق و تضيع المهمة، فإن صاحب القرار الاقتصادي (والذي هو بطبيعة الحال رجل سلطة و سياسة) يمارس هواية الانكفاء نحو الداخل، و استرطاب الإدمان على اجترار التجربة و الحلول التقليدية؛ فالأمر وكأنه أصبح أبسط من أن يرتقي لتعقيد الأزمة، بدءا برفع نسب ضرائب الدخل والمبيعات، فتخفيض الإعفاءات، فرفع سعر المشتقات النفطية، وهكذا من ممارسات سطحية آنية تمت تجربتها منذ الانهيار الاقتصادي الأكبر عام 1989 وثبت عقمها التام في تحقيق علاج حقيقي و ملموس لمشكلات الاقتصاد الوطني الذي سلم أمره و ملفه للبنك الدولي  و لصندوق النقد؛ انسجاما مع آمال مقررات مؤتمر (Briton Woods) الذي جاء بهذه الهيئات الدولية والمالية التي تستقبل المنهكين من جراء سوء الإدارة و الفساد، من شاكلة (اليونان) وغيره من المفلسين.

 
لا أعلم كيف للمرء الاسترخاء وقد أدرك بأن حجم الدين قد ناهز (26) مليار دولار أمريكي، وأن ما نسبته (91%) من الناتج المحلي الإجمالي قد أصبح دينا على الدولة، وأن العجز في الموازنة العامة قد بلغ (المليار) دولار في عام 2017،  وأن العجز في الميزان التجاري قد بلغ (10) مليار دولار ؟! هل هي الثقة بالقدرة على الخروج من الازمة كالمعتاد وبنفس الآليات؟ أم أن اليأس إحدى الراحتين!.
 
منذ 1989 والأزمة الاقتصادية تخيم على الأجواء، ولم تتخذ خطوات حقيقية وجادة للخروج لأفق اقتصادي جديد. قد يكون ملف الخصخصة أحد أكبر الإجراءات المتخذة في حزمة "الإصلاحات" الاقتصادية المفروضة من البنك الدولي، ولعلها أبرز قصة فشل، بدءا بطريقة البيع التي تمت والأسعار التي أقرت و الطريقة التي تم استثمار عوائد البيع فيها، وانتهاء بحجم الغموض واللغط الدائر حول القضية برمتها.
 
في محاولة لتهدئة روع الاقتصاديين، يتناول بعض المعنيين بالقرار الاقتصادي والنقدي فكرة أن معظم الدين العام هو (بالدينار الأردني)، و بهذا تتمكن الدولة من اتخاذ تدابير واستخدام آليات محلية سيادية من شأنها التخفيف من وطاة أثر ذلك الدين! لحد هذه اللحظة لم نعلم ما هي تلك الآليات الاقتصادية التي من شأنها سد الدين المحلي (بالدينار الأردني) سوى زيادة معروض الإصدار النقدي، وبالتالي التضخم، ومن ثم تراجع سعر الصرف. رغم أن نسبة (0.71) كسعر صرف أمام الدولار باتت من مقدسات السياسة النقدية.
 
الخطاب الرسمي للدولة يؤكد على ضرورة إنجاز الإصلاحات السياسية والاقتصادية، والحرص على إحياء الطبقة الوسطى، و ضرورة دعم الطبقة الفقيرة، و أهمية تقليل الاعتماد على الهبات والمنح والقروض، وغير ذلك من قضايا اقتصادية ملحة؛ فتأتي الحكومات "قصيرة الأمد" لإكمال مسيرة "تسيير الأعمال" و الحل الآني لما يطفو من مشكلات، وكل ذلك دون إرادة و نية جادة وواضحة للخروج من النفق المظلم والذي يمتد ويزداد ظلمة يوما بعد يوم، وليس خافيا احتراف (كل فريق اقتصادي) في إلقاء اللوم على من سبقه و الادعاء بأن من يحدث هو تراكمات لعهود طويلة من سوء الإدارة، و مازالت الأمور تراوح مكانها و الأزمة في تفاقم، ويدفع ثمن كل ذلك طبقة وسطى تتجه للفقر، وطبقة فقيرة على وشك المجاعة.
 
لم يعد لمنهج الاتكال على (المقرضين الدوليين و المانحين و الهبات الأجنبية) أكان من (دول الخليج العربي أو الولايات المتحدة او الاتحاد الأوروبي) أي مستقبل حقيقي، وهي بطبيعة الحال ليست بدون مقابل، فاليوم نحن بحاجة لنهج اقتصادي وسياسي جاد وحازم و هادف، من شأنه جذب استثمارات مستدامة، وخلق وظائف محلية، وتعزيز مؤشرات النمو والانتعاش الاقتصادي، ولا بد من إنهاء حالة الغموض و تعزيز الشفافية و المساءلة عن كل دينار يتم إنفاقه، والأهم اتخاذ إجراءات تطهيرية لكل مراكز الفساد والرشوة و التهريب و التهرب الضريبي والاستقواء على القانون. 
 
نحن اليوم بحاجة لتطوير عميق لبنية الدولة بكافة مكوناتها، ولن يتم كل ذلك دون إصلاح عصري لهيكل السلطة و تبني حرية التعبير و تمكين الشعب ديمقراطيا عبر أدوات الاستفتاء و البرلمان الممثل للشعب والقائم بدوره الرقابي والتشريعي، وتعزيز استقلال القضاء ونزاهته وفاعليته، وتمكين الأحزاب من تقديم دورها في الحل و طرح البدائل.
 
في هذا العالم من تجارب النجاح الكثير الذي يمكن استلهام التجربة منه؛ فعندما كان الأردن دولة ديمقراطية بحكومة منتخبة و برلمان قوي فاعل في خمسينات القرن المنصرم، كانت الصين و تايوان و سنغافورة و كوريا والهند و ماليزيا وأندونيسيا في مجاهل التاريخ ومستنقعات الأرز، فقط احتاجت لخمسين عاما من الإرادة و التصميم والعمل المخلص لتصبح ماهي عليه الآن من ازدهار. لكن الإبقاء على ذات العقلية، والإصرار على اجترار ذات "الديناصورات" البشرية عاما بعد عام، والاستمرار في لوم الآخرين، وضياع بوصلة الولاية العامة ... كل ذلك من شأنه الوصول إلى طريق مسدود، وعندها قد لا ينفع الكلام و لا الفعل، لا قدر الله.