حماس تتغير.. وعلى الآخرين أن يتغيروا ! - ساجي خليل

حماس تتغير.. وعلى الآخرين أن يتغيروا ! - ساجي خليل

 هناك من لا يريد أن يصدق أن حماس تتغير. وبالنسبة للبعض هي تناور وتحاول خداع الجميع، وتتظاهر بالحرص على الوحدة الوطنية في حين أنها تعمل على كسب الوقت بإنتظار تبدل الظروف كي تنقلب مجدداً على ما أقدمت عليه من إجراءات وما أعلنته من مواقف؛ وأن الإنعطافة المفاجئة التي قامت بها هي مجرد إنحناءة تظاهرية مؤقتة تمت تحت ضغط الحالة التي آلت اليها الأوضاع في قطاع غزة وبسبب متغيرات عديدة محلية وإقليمية ودولية.

وحقيقة الأمر أن هناك تحولاً جوهرياً  قد وقع في التفكير السياسي لقيادة حماس، وأن هذا التحول يتنامى يوماً بعد يوم في صفوف قيادات وقواعد ومؤيدي حماس. وهناك كما هو معروف عوامل عديدة ساهمت في تبلور هذا التحول الذي تعيشه حركة حماس؛ ولكن قرار التحول كان بالتأكيد قراراً داخلياً وجاء نتيجة طبيعية لعملية تطور طويلة وقعت بالتدريج وتسارعت بفعل تسارع التطورات والمتغيرات المحيطة. وبالنتيجة فهو تحول يعكس رؤية جديدة وقراءة جديدة للواقع الجديد، ولا يمكن إعتباره مجرد إنعكاس تلقائي للمستجدات المحيطة أو إجراء تنظيمي قسري أو مجرد إملاء خارجي إنصاعت له حماس مرغمة.
 
مؤشرات التغير الإستراتيجي في تفكير الجسم المركزي لحركة حماس باتت واضحة ولا مجال لإنكارها أو تجاهل أهميتها، وهي تنعكس فِي توجهاتها العامة وفي مواقفها العملية، وفي المزاج العام للتيار الرئيسي داخلها، ( دون أن نستبعد وجود تحفظات معلنة أومضمرة على التوجهات الجديدة لدى بعض القيادات داخل حماس والتي وجه زعيم حماس القوي يحيى السنوار التهديد لها  بكسر عنقها إن هي قاومت تلك التوجهات.) وهذا ما يتوجب قراءته وتحليل أبعاده، وليس فقط التوقف عند الخطوات المتفرقة التي إتخذتها أو لم تتخذها حركة حماس؛ والتفتيش عن حساباتها المباشرة من وراء تلك الخطوات.
 
المهم أن التحول قد بدأ، وخطت حماس خطوتها الدراماتيكية التي بدت كالمعجزة؛ واستجابت أخيراً لنبض الشعب وانحازت لمسؤوليتها الوطنية ولمطلب الجماهير الداعية الى الوحدة الوطنية. لا شك بأنها خطوة شجاعة تتسم بالمسؤولية الوطنية العالية وتؤشر الى عقل قيادي جريء ومتفتح وإلى تفكير حر وخلاق .
 
نقول خطوة شجاعة لأنها إنتصرت على التردد والمخاوف والحسابات الفئوية وإنحازت لصوت العقل والمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني . وفي ذلك دليل على مستوى جديد من الأداء ونوعية مختلفة من القادة الذين يستطيعون قراءة المتغيرات السياسية من حولهم ويمتلكون الإرادة والقدرة على التغيير وإتخاذ القرارات الصعبة لصنع التحولات العظيمة. .
 
ولماذا العجب !! فقد سبق أن تغيرت منظمة التحرير عام 1988عندما تبنت ولا زالت برنامج السلام الفلسطيني ، و تغيرت كذلك أحزاب عريقة عندما تحولت عن  توجهها القومي لتتبنى التوجه الماركسي؛ وأيضاُ عندما غيرت أحزاب يسارية توجهاتها وبرامجها فأصبح حزب الطبقة العاملة مثلاً يسمي نفسه حزب الشعب كله. فلماذا نستبعد أن تتغير حماس. ؟؟!!
 
إن الإصرار على التعامي عن رؤية التغير الجوهري الذي يجري في أوساط حماس وفي تفكير قيادتها، لا يعكس فقط الرؤية السطحية التي تميز تحليلات ومواقف بعض قيادات العمل الوطني بقدر ما يعكس الرعب الذي يتملك قلوب هؤلاء من خسارة مصالحهم ومكاسبهم السياسية وغير السياسية التي أتاحها لهم الإنقسام. فقد ترزقوا طويلاً من الإنقسام ، وإعتادوا على التعايش معه والتعيش منه ، وبات إنهاء الإنقسام لا يزعجهم فقط بل ويهدد مصالحهم.
 
وبدلاً من الإفادة من الخطوة الإيجابية التي أقدمت عليها حركة حماس بحل اللجنة الإدارية وتسليم مقاليد الأمور في غزة لحكومة التوافق الوطني، هناك من يقوم، وبشكل متعمد ، بالتقليل من أبعاد تلك الخطوة معتبرأً  إياها مجرد  محاولة للتخلص من الأعباء المالية والإدارية وتحميلها  لحكومة التوافق. متجاهلاً  أن المسؤولية التي ألقيت على عاتق حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية هذه  هي مسؤولية وطنية سامية تجاه شعب كافح وتحمل الكثير وقدم أغلى التضحيات في سبيل القضية الوطنية لشعبنا الفلسطيني كله، وهي ليست مجرد أعباء تحررت منها حركة حماس . إنها استلام لزمام القيادة لمجتمع فلسطيني بكل فئاته وقطاعاته، وتولي إدارة حياته المدنية بما يشمل كافة مناحي الحياة ( في مجال الاقتصاد والقضاء والتعليم والصحة والثقافة … إلخ)  .
 
الرأي العام الفلسطيني  يراقب ويتابع كل شيء، وبات اليوم يدرك على نحو دقيق المشكلات المعقدة والحساسيات وحالة ضعف الثقة بين الأطراف والتي أفرزتها مرحلة الانقسام، ولكنه يعرف أيضاً ان من غير المجدي التمسك بذات الشكوك القديمة والإحجام عن رؤية المستجدات والآفاق المتاحة. ويدرك أيضاً أن سياسة تقوم على التلكؤ والمراوحة في المكان هي سياسة تنم عن العجز والجمود. وأن المغالاة في الحذر خشية من الفشل أو من تحول المصالحة الى مجرد احتفالات للتصوير كما وقع في التجارب السابقة، ليست بالضرورة سياسة صائبة؛ فالسياسة الحكيمة تحتاج أيضاً للشجاعة وللقدرة على الإستشراف وقراءة غير المكتوب، ورؤية ما ليس ظاهراً للعين العادية. السياسة الصائبة تتطلب القدرة على إتخاذ القرارت والتقدم لحل المشكلات وتجاوز العقبات، خصوصاً في ظل الظروف الإستثنائية والغامضة والتي تتسم بكثرة الاحتمالات؛ كما  تتطلب إبداء الإستعداد لتحمل مسؤولية تلك القرارات.
 
وفِي اللحظات الأخيرة ما قبل بدىء المعركة السياسية القادمة التي بجري الإعداد لها من قبل كافة الأطراف المعنية الإقليمية والدولية، وفي ظل المتغيرات المتسارعة والمركبة التي تجري في المنطقة،  هناك ما يشير لإمكانية إستعادة قضيتنا الوطنية لموقعها ومكانتها العربية والدولية مدعومةً بمساندة شعوب ودوّل أمتنا العربية وأنصار العدالة والحريّة في العالم. ولعل ما يجري الإعداد له في هذه المرحلة من تسويات على المستوى الإقليمي، وما يسمى ب صفقة العصر، فيه ( بالإضافة إلى المخاطر المحتملة) بعض الآفاق الإيجابية إذا ما أحسنا إدارة أمورنا ووحدنا صفوفنا، وجندنا طاقات شعوب أمتنا العربية. إن الدور المصري الحاسم والحكيم في إدارة جهود المصالحة الفلسطينية بحنكة وإقتدار وتوفيره الشروط التي تؤسس لتحقيق لتلك المصالحة، وتمكين الشعب الفلسطيني من مواصلة كفاحه العادل لنيل حقوقه الوطنية، هو نموذج لما يمكن أن يقدمه التضامن العربي لقضيتنا الوطنية؛ ولا بد هنا من الإشادة بدور مصر في مواصلة تحملها لمسؤليتها التاريخية إزاء القضية الفلسطينية، ما يؤكد دورها الطليعي الذي لا ينازع كقائدة تاريخية لحركة النهوض العربية .
 
نحن مقبلون إذاً على مرحلة جديدة بفعل متغيرات إقليمية ودولية جوهرية : مرحلة ترسم فيها خريطة جديدة للمنطقة وستشهد على الأغلب صراعات وتوافقات دراماتيكية على المستوى الإقليمي والدولي وتتضمن محطات ومراحل وتسويات ستقرر نتائجها مستقبلنا الوطني ما يقتضي منا أكبر قدر من الإستعداد لمواجهة تحديات المرحلة.
 
وحيث فتحت هذه التطورات الجوهرية أوسع الأبواب أمام إمكانية النهوض بالوضع الفلسطيني ومجابهة التحديات القادمة، فإن ذلك يتطلب من القيادة الفلسطينية ومن كافة القوى والفعاليات الوطنية الإستكمال العاجل لعملية الوحدة الوطنية وتحشيد طاقات الشعب بجميع فئاته. ولا شك بأن المهمة المباشرة أمام القيادة الفلسطينية : رئاسةً وحكومةً وقوى سياسية، فور إستكمال عملية التوحيد وبالترافق معها، الشروع بدون تلكؤ في العمل على حل المشكلات التي عانى ويعاني منها المواطنون في قطاع غزة وبالأخص موضوع الكهرباء والماء والصحة والمعابر .. الخ، والعمل عموماً على تحسين الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية. ولا يقتصر الأمر عند حدود الخدمات ؛ فالسلطة الشرعية تقف الآن أمام إمتحان صعب، وعليها أن تتصرف بمسؤولية وبحساسية عالية إزاء مسؤولياتها في تحسين  طريقة إدارة الحكم ، وفي سلوكيات كوادرها وتحديداً في غزة، إزاء تعاملها مع حركة حماس ومع كافة الفصائل والأطر والمؤسسات الجماهيرية، ومع عموم المواطنين. وفي تطوير وتعزيز دور المؤسسات في إتخاذ القرارات الوطنية وضمان المشاركة الشعبية فيها. يجب أن يشعر الجميع بالفرق وبأن ما تم تحقيقه هو إنجاز وطني يخص الجميع ، وليس إنتصار طرف على طرف.
 
إنها فرصة لمراجعة الذات وللتغيّر؛ والإفادة من دروس التجربة، ولإعادة الإعتبار للمؤسسات الشرعية ولنهج العمل الجماعي والشراكة الوطنية؛ وبناء الحياة الديمقراطية على قاعدة الإلتزام بحكم القانون والنظام وإحترام مبدأ التعددية والمؤسساتية بعيداً عن التعصب والتفرد. إنها فرصة لإجراء حوار مسؤول تجاه الخطوات المستقبلية والبرنامج الوطني الفلسطيني والعلاقات الوطنية. إن إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية لتجديد النظام السياسي الفلسطيني، وضخ دماء جديدة في جسم هذا النظام، هو السبيل الذي يمكن شعبنا من استكمال مهمات نضاله الوطني من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصتها القدس الشرقية.