الاقتصاد الأردني: فرص وتحديات

الاقتصاد الأردني: فرص وتحديات
الكاتب : د. حسين البناء
منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1989 لم يشهد الوضع الاقتصادي الداخلي مثل هذا الزخم من ممارسات و سياسات تهدف (حسب وجهة النظر الرسمية) إلى إعادة الوضع الاقتصادي على مساره الصحيح عبر تنفيذ حزم من الإصلاحات الهيكلية لبنية الإيرادات و الإنفاق الحكومي، بدءا برفع نسب الرسوم و الغرامات، فتخفيض الدعم على جملة من السلع، فرفع تسعيرة المشتقات النفطية، ومؤخرا نية إعادة تسعير الخبز، كل ذلك على هامش برنامج "تصحيح" اقتصادي تبنته الحكومة بتوصيات البنك الدولي، والذي كان سابقا قد أمسك بالملف الاقتصادي وطبق شروطا و إجراءات كبرى في البنية المالية للدولة، والتي لم تحل أي معضلة حقيقية من مشاكل الاقتصاد الوطني، بمقدار ما أجل بعضها و قايض أخرى بمعضلة ثانية.
 
الأزمة في الأردن هي في النظرة ذاتها للأزمة و منهج مواجهتها تأصيلا، فما زال هيكل الموازنة العامة يتعامل مع الدولة على مبدأ الريعية، والإنفاق كدولة غنية، واعتبار أن الدعم الأجنبي (من الولايات المتحدة وأوروبا و الخليج العربي و اليابان) على أنه بند إيرادات ثابت ومستقر وأصيل! . 
 
ينبغي لصاحب القرار الاقتصادي النظر للمسألة الاقتصادية من أبعاد أكثر استراتيجية، وليس فقط من منظور يجرد ويسطح الأمر ليتم تسويقه على هيئة أزمة عابرة و سيتم حلها كالمعتاد ببعض المعونات السخية من هنا وهناك وبعض القروض المستعجلة. القضية بأن البلد تحتاج جراحة اقتصادية عميقة و جادة وعادلة، من شأنها تغيير قواعد العمل بالكلية، وأول هذه الجراحات تتم بتوجيه الاستثمار نحو الاقتصاد الحقيقي والذي من شأنه تشغيل يد عاملة وطنية، بعد تقديم خدمات التدريب والتأهيل المهني و الزراعي الكفيلة برفع نوعية و جدارة اليد العاملة المحلية، أي بلغة أخرى، أن يتم التركيز على الاستثمار المستدام و المنتج والحقيقي كأداة رئيسة للتنمية و خلق فرص العمل، والأردن يمتلك من الفرص في قطاع السياحة و العلاج و التعليم و تقنية المعلومات و الزراعة ما يمكن تشكيله كرافعة استراتيجية مستدامة للتنمية وذلك بشرط الجدية و التوجيه السليم للموارد والاستثمارات.
 
يعلم الجميع بأن أبرز مشاكل النمو في الأردن تتمثل بالنقص الحاد في المياه و تكلفة توليد الطاقة الكهربائية و الاعتماد على العمالة الأجنبية في الحرف والزراعة و ضآلة تدفق الاستثمار الأجنبي و التوجه للعقار كنمط تقليدي لحفظ القيمة والاستثمار،  و صغر حجم السوق المحلي مقرونا بتراجع القوة الشرائية للمواطن. 
يجب أن نعلم بأن الاستمرار في التباكي على الأطلال ليس من الحل في شئ، ينبغي للدولة أن تعيد النظر بجميع معاهداتها و اتفاقياتها الاقتصادية مع جميع الأطراف، وإعادة دراسة مدى التأثير الإيجابي لكل بند فيها على الاستراتيجية الاقتصادية الهادفة للنمو والخروج من ذات النهج الذي ثبت فشله مرة بعد مرة.
 
الحكومات الأردنية المتعاقبة تتنصل من مسؤولياتها تجاه الملف الاقتصادي متذرعة بأن الظروف الاقتصادية والسياسية المحيطة و قصر عمر ولاية الحكومات و تيه مراكز القرار الاقتصادي في ظل تعدد أقطاب الولاية العامة هي ما يؤدي إلى فشل البرامج و المشاريع الاقتصادية للحكومات المتتالية، ويبدو أن هذا التملص وتلك التبريرات تلقى قبولا و استساغة من الكثيرين، لدرجة أن بعض الفرق الاقتصادية في الحكومات بات يقيس مقدار نجاحه في عدد المليارات التي أضافها على الدين العام، بغض النظر عن مجريات ذلك و تبعاته و مضمونه!
 
الاقتصاد الأردني اليوم أمام فرص وتحديات لم يسبق لها مثيل. بدءا بسوق العقار الذي دخل أسوأ مراحله من الكساد بفضل استقرار اللجوء السوري و بدء عودة السوريين إلى ديارهم بعد التطورات الأخيرة، ومرورا بفرص الاشتراك في إعادة إعمار سوريا والعراق بعد كارثة تنظيم الدولة، والتي يبدو أن روسيا و إيران ستستحوذان على معظم عقود الإعمار هناك.
 
الحكومة الحالية صرحت بضرورة الاعتماد على الذات في المسألة الاقتصادية و في حل الأزمة الحالية، حيث أن المانحين الدوليين لن يكونوا على ذات موقفهم من الأزمات السابقة، بمعنى أن على جيب المواطن أن يتحمل تغطية عجز الموازنة عبر مزيد من الضرائب و قليل من الإعفاءات. السؤال المؤلم حقا هو: هل سيتم حل الأزمة الاقتصادية الحالية بعد كل هذه الإجراءات التحصيلية وربما التقشفية أيضا؟ ربما تكون الإجابة (لا) موجعة في ظل فرضيات استمرار ممارسات سوء الإدارة و الفساد. والدليل على ذلك أن حزمة الإصلاح في الإنفاق والإيراد التي تمت في الفريق الحكومي السابق لم تحقق سوى مضاعفة الدين العام وتصدير الأزمة للطاقم الحالي.
 
الدولة الأردنية اليوم أمام تحدي حقيقي و جاد، وللأمانة فإن الأمر جد شاق، فلا بد من وقفة مصارحة مع الذات، وبدء حملة تطهير شاملة من جميع بؤر الفساد و سوء الإدارة،  وتقديم الأفراد لمراكز القرار ممن ثبت جدارته ونزاهته أكثر من موثوقية طاعته، ثم إطلاق حوار وطني شامل من شأنه وضع أسس ومنطلقات بناء الدولة العصرية التي نتمناها لأبنائنا، والقائمة على قيم العدالة و المساواة و الشفافية والمساءلة والاستدامة والاستقلالية و النهج الديمقراطي القائم على التصحيح الذاتي و التشاركية والحوار و التمكين عبر الاستفتاء واللامركزية والتنمية البشرية. ليس القصد رفع شعارات جذابة بمقدار ما أن نتباحث قي آليات حقيقية لترجمة ذلك للواقع. 
 
يلوح في الأفق، وبفضل التطورات الأخيرة على الساحتين السورية و العراقية، فرص اقتصادية هائلة، حري بصانع القرار التنبه لها، بدءا بمشاريع إعادة الإعمار في سوريا و العراق، ومرورا برفع الحصار عن السودان و ربما قريبا إيران، وليس انتهاء بإعادة المسارات التجارية باتجاه السوقين السوري والعراقي لسابق عهدها بعد هزيمة تنظيم الدولة و استقرار الأمور في كلا البلدين، وليس ببعيد كذلك تلك الفرصة السياحية المجزية في حال فتح المسار السياحي الديني لأضرحة و مقامات الصحابة الكرام.
 
هنالك حلف سياسي واقتصادي متين قد تشكل فعلا و هو آخذ بالتأطر بشكل أكثر وضوحا، يمتد من طهران فبغداد فدمشق فبيروت، وهو يحمل من الفرص والإمكانات الاقتصادية الكثير، و صاحب القرار اليوم معني أكثر من أي وقت مضى، بأن يبحث عن البدائل والحلول، وليس خروجا عن المألوف البحث عن ما يحقق المصالح الوطنية المستدامة عبر توليد مزيد من النوافذ التصديرية و البوابات الاستثمارية و ترك الباب مواربا أمام أية فرصة تلوح في الأفق. العالم اليوم، وخاصة القوى العظمى، تحترم القوي، والقوي من كان في جعبته حزمة بدائل وخيارات وأوراق ضغط و تفاوض، وليس من استرطب الأزمات.