بيادر قمح قريتنا - عبدالله علي العسولي

 بيادر قمح قريتنا - عبدالله علي العسولي
بركات الخالق ..بيادر قمح  مركونة على تلك الساحة النظيفة بليالي قمر صيفية صافية ...
 
يبدأ الفلاح بحصد محصوله من القمح أو الشعير عندما يميل لون نبات القمح الى الاصفرار ...حيث تكون الايام فيها من حرارة الصيف ما فيها ...ويكون (الحصاد) يعاني من التعب مايرهقه ويتعبه وهو يحصد ويغني ( منجلي يا منجلاه ...راح للصايغ جلاه
                        ما جلاه الا بعلبه... ياريت العلبه عزاه 
                       منجلي يابو رزه ...وش جابك بلد غزه
                      جابني حب البنات ...والخدود الناعمات
                        والعيون السود لود ... والحواجب مقرنات)
 
اهازيج حلوة تدب النشاط والحماس في قلوب الحصادين الذين تجمعوا لمساعدة بعضهم البعض في هذا الموسم الرائع ...وكانت تشتهر اكلات شعبية يتناولها الحصادين اثناء عملهم (كشوربة العدس والمجدرة والرز بحليب ...)فتمدهم هذه الاكلات الشعبية بطاقة ونشاط زائد ...
 
وعند استكمال حصد الحقل والانتهاء منه ...تبدأ مرحلة (رجاد) القمح ..اي لم (غمار) القمح ووضعها على (القادم المعد للرجاد) ويتم تحميل( قوادم) القمح على الدواب والحمير الى البيدر المجهز سلفا  لوضع القمح عليه بعد ( تغميرها من النساء اللواتي يتقن هذا النوع من العمل )
 
بعدها ...يقوم الفلاح بتجهيز البيدر وذلك ( بربصه بالماء ) اي احضار المياه بواسطة (جركنات)  تحمل على الحمير من نبع البلدة الذي يسمى ( نبع مشرع الزيتون ) يقوم بتعبأتها النساء والفتيان واحضارها الى والدهم لتفريغها وبغزارة على ارض البيدر ( لربصه ) واخفاء التراب والحصا خوفا من اختلاطه بقمح البيدر حال درسه على الدراسة وهي ( تراكتور يجر خلفه ماكنه درس وطحن الهشيم وتحويله الى قمح وتبن ) حيث يتعاون كل الحصادين على درس البيادر كلها بتعاون تام ...
 
ويتم خلال دراسة البيادر أن تقوم بعض نساء الحصادين ب(تقصيل ربطات من القصل ) لتصنيعه الى اواني واطباق من (القصل) والقصل سيقان نبات القمح... تقوم النساء بتلوينه وصنعه بألوان حلوة واشكال هندسية جذابة وتسمى الاواني المصنوعة من( القصل .. مكفيه ..لقن ..طبق ..قبعه) .وعند الانتهاء من درس البيادر جميعها ...تبدأ الان مرحلة ( التذراية ) بواسطة (مذراه ) خشبية معدة لهذه الغاية ...يستعملها الفلاح الماهر في فصل القمح عن التبن ...ويتم ذلك بعد أن يواصل الفلاحين المبيت على بيادرهم ليلا ونهارا بإنتظار نسمات هواء غربية ناعمة يستغلونها للتذراية ....يكون خلال هذه الايام والليالي قد جهز نفسه (بضو كاز ولوكس يدوي وابريق شاي وبعض المأكولات الخفيفة التي يحتاجها كالزبيب والعجوة وغيرها ) . حيث يكون عمل المزارعين كخلية نحل -- على تذراية البيادر بالغربال والمسرد 
 
ويعبأ القمح بواسطة ( الصاع ) وهو وعاء من الخشب يتسع الى عشرة كيلو غرامات من القمح... ويعبأ التبن ايضا بخياش ليفية معدة خصوصا لتعبئة التبن. 
 
ويحمل المحصول على الدواب الى البلدة ويوضع القمح في ( الكوارة ) مكان تخزين القمح... والتبن يوضع في ( القطع ) مكان يكون في اخر بيت الطين لتخزين التبن ....في هذين المكانين تكون مونة العائلة من القمح ومونة الدواب من التبن .
..هي بيادر قريتنا اتي اجتمع على العمل فيها كل اهل القرية ...والتي بارك الله فيها وبارك باليد التي عملت على انتاجها ...هذا العمل الحر الشريف المبارك – والذي لا يعد بساعات عمل ...ولا ينتظر الفلاح عليه راتبا شهريا ..ولا معلولية ولا تقاعد اعتمد على الله فبارك الله بعطائه وبارك الله باليد التي احبها الله ورسوله ...
 
هذا هو تاريخ الاباء والاجداد وهذه وظائفهم التي كانوا يعملون بها دون كل او ملل ...كانوا جميعا على قلب رجل واحد منهم ...يمتازون بصفاء السر والسريرة ...نقية ضمائرهم.. صادقة السنتهم ...على الله توكلهم ...فأعطاهم الله حسب نواياهم السليمة ...رحم الله هذا الجيل الطيب الذي لم يكن همه الا المحافظة على دينه وبساطته في عيشته وقبوله بأي رزق اعطاه اياه رب العالمين برضا وقناعة .