السياسة المجنونة ....!

الكاتب : يوسف المرافي

ليس غريبا أن تنحو السياسة لأي دولة ضمن توجهاتها العليا ومصالحها الإستراتيجية بغض النظر عما يخططه أصحاب القرار في كل دولة لشكل العلاقة بين كل دولة ،لكن الغريب حقا، أن تنتهج سياسة الولايات المتحدة الأمريكية  في العالم والشرق الأوسط على وجه الخصوص طابعاً إدراميتيكيا غريبا أقرب إلى السياسة المجنونة غير المسؤولة، سيما ما تنتهجه في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب بحكم ما نراه ونشاهده كل يوم منذ تسلمه رئاستها منذ عام تقريبا.

وكما هو متعارف عليه بين الدول وجود روابط ومعاهدات وأحلاف وإتفاقيات ومعظم الدول تلتزم بها، لا بل تعتبره بعضها الآخر رابطا مقدساً لا يجوز التعدي عليه أو الإخلال به أو الانتقاص منه....

وإذا ما قورنت سياسة الولايات المتحدة سابقاً بسياسة اليوم مع الرئيس الحالي دونالد ترامب نجد العجب العجاب مع اقتناعنا ولو بشيء بسيط أن تلك السياسة كانت أقرب الى الموضوعية والحيادية نوعا ما إبان الرؤساء السابقين ،إذا ما استثني الملف الأسرائيلي الفلسطيني ،الذي كما تعلمون في فترة حكم الرؤساء السابقين كان يأخذ طابع المد والجزر، سيما زمن الرئيس السابق بيل كلينتون التي اتخذت نوعاً من التوازن، خاصة عند قيامه بالدفع قدماً لتلك المفاوضات المرثونية، من خلال ما مارسه من ضغط على اسرائيل وقيامه بتجميد تلك المليارات التي كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وأثارت حفيظة اسرائيل في ذلك الوقت فقد انقلب السحر على الساحر وسرعان ما سقط سريعاً ،وأقصد هنا قضية "لوينسكي الشهيرة" التي كانت كفيلة بإعاقة مشروع قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل ،فقد تبخر ذلك الحلم سريعا.

نحن هنا لسنا معنيين بالحديث عن ذلك الماضي لذاك الرئيس، ولسنا كذلك معنيين بتلك القصة التي أشارت التقارير فيما بعد وقوف اللوبي الصهيوني العالمي وراءها.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تجاهلت بصورة متعمدة قضايا العرب والشرق الأوسط ،بالإضافة الى تجاهلها لذلك الدور الحيوي والإستراتيجي لبعض الدول العربية في المساهمة في النزاعات العالمية، لاسيما الحرب الإيرانية العراقية ،وحرب الخليج ،وحروب دول الإتحاد السوفيتي سابقاً ،وأفغانستان، والشيشان، بالإضافة لقوات حفظ السلام العالمية.

إننا اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى، بقراءة التاريخ جيداً، والتفكر بصورة جدية وموضوعية لخطورة الموقف الأمريكي والغربي في المنطقة، وليس النظر لمجرد المتابعة فقط، كما هو عليه الآن من سياسات أمريكية غربية في الشرق الأوسط لا تعرف إلى أين ستقود المنطقة ؟؟! ،بالإضافة للعالم ...فالعرب يجب ويجب ألا ينتقص من دورهم وتأثيرهم الإستراتيجي والحيوي في العالم ،وخاصة دول الخليج الذي يقع على عاتقهم ذلك الدور الحيوي والإستراتيجي فهم دول نفطية ،وهذا سلاح كبير ومهم في أيديهم يمتلكوه للتأثير على القرار العالمي، بحيث أنهم لا يكتفون كالعادة بجني أرباح البترول والتنعم به فقط ...، الذي ربما سيصبح يوماً من الأيام نقمةً ووباءً عليهم.

كما أننا نلاحظ أن العرب يخشون بصورة كبيرة من تلك السياسة أو لمجرد التفكر والنظر إليها لا بل أعطوا انطباعاً للولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أنهم خائفون ويلتمسون العطف والحنان منهم في كل وقت وزمان.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول غربية فشلت فشلاً ذريعاً في تطوير وتعزيز علاقتهم بالعرب ،خاصة ما نشاهده اليوم من سياسة غير مسؤولة من الولايات المتحدة الأمريكية تجاه قضايا العرب.

وإذا عدنا للوراء قليلا نجد أن القرارات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالشرق الأوسط ..."الأزمة السورية"..."البرنامج النووي الإيراني" ..."الإنقلاب في مصر"..."الربيع العربي "..."شرق أوسط جديد"... كما يقال في جلساتهم السرية والعلنية ،قد اتخذت بشكل متفق عليه في مراكز صنع القرار في واشنطن وليس كما يشاع هنا وهناك سهواً....

لذلك أرى من وجهة نظر خاصة:

أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب تنظر إلى العرب من منظور ضيق، فهم العرب غير مدركين للخطر الذي ينتظرهم في حالة استمروا على ذلك الموقف تجاه العرب فهم للأسف يعتبرون العرب لايدركون ذلك الدور السلبي وطبيعته المبنية على المصلحة،  وليس كما هو متعارف عند أهل النخوة والشهامة ...!!!! وأقصد"الأتفاقيات والأحلاف والمعاهدات" التي تحترمها جميع الدول العربية في حالة الإتفاق عليها مثلما حصل ويحصل الآن لإتفاقيات السلام الإسرائيلية العربية ....فهذه السياسة إن قدر لها أن تستمر كما هو متوقع لغاية هذه اللحظة سوف تجر العالم الى المجهول والوقوع بوحل ونفق مظلم صعب الخروج منه أبداً وليس كما هو معتقد "شرق أوسط جديد بتفصيل وترقيع أمريكي فقط"...!!!!!

كما أن الدول العربية يراودها اليوم أكثر من أي وقت مضى مخاوف حقيقية ، فالسياسة الأمريكية المتبعة حاليا في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب  أصبحت تلك السياسة في المنطقة أقرب الى الخيال ،لاسيما في المواقف التي ذكرت ضمن سياق المقالة.

كما أرى من وجهة نظر أخرى :

إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ودول الخليج متهورة وغير مبنية على صدق النوايا ، فنحن نجد في تلك السياسة بما لايدعو مجالاً للشك عند القارىء قبل المحلل ،عند الصغير قبل الكبير ،عند المتابع قبل الكاتب، أن سياسة أمريكا تجاه القضايا العربية تكيل بمكيالين، بحيث يبقى هذا التصور مغيباً عند البعض الذين تعودوا على استجداء واشنطن لدعم مشاريعهم الفاشلة في دولهم، الذي كشف الربيع العربي ذلك الدعم المزيف من قبل الأخيرة، لاسيما أن ما يذكره التاريخ ليس بالبعيد ، كيف أن واشنطن كانت تدعم ،وبكل قوة النظام العراقي السابق في الحرب الأيرانية العراقية؟؟ وكيف انقلب ذلك الموقف سريعاً ، لا بل أصبحت إيران عدو الأمس صديق اليوم وإن كانت تظهر العداء لها ظاهريا.

كما أن العرب غير مدركين لغاية هذه اللحظة لمخططات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة بالتعاون مع اسرائيل في رؤية شرق أوسط جديد ينسجم مع التطلعات والأمنيات والأحلام الأسرائيلية في المنطقة ،التي لا تخفى على أحد ،وعبر عنها كثيرا من قبل رجالات السياسة ،وصناع القرار في تل أبيب من رؤية أنظمة عربية تتفق وسياساتها الحالية في المنطقة والعالم.

وخلاصة القول بأنني أرى:

أن الدول العربية تيقنت علم اليقين بفشل الدبلوماسية الأمريكية في كثير من القضايا ، لا بل قد ذهبت دول عربية إلى أبعد من ذلك في ضرورة التنبه والحذر من مواقف واشنطن في المنطقة ، حيث أنها لاحظت تلك السلبية في سياستها، لاسيما دورها السلبي الأخير تجاه الأزمة السورية، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني ،وفتور الدبلوماسية الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني ...

كما أرى أن ما يقوم به العرب تجاه السياسة الأمريكية في المنطقة ليس كافياً، فإلى متى سيبقى العرب رهان "القبضة الأمريكية" فقد أصبح من يقود تلك السياسة الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي يتصف بالغوغائية المفرطة غير المسؤولة تجاه قضايا العالم والعرب، وعلى العرب ألا ينتظروا طويلا للرد على تلك المواقف العدائية من حليفتهم "الولايات المتحدةالأمريكي​ة" بل عليهم أن يردوا وبشكل فوري وقوي على تلك المواقف والتصريحات هنا وهناك، من خلال تعزيز العلاقات السياسية والإقتصادية والعسكرية مع دول كالصين وروسيا وألمانيا، بالإضافة للجارة القوية تركيا التي تعتبر في المنطقة من الدول الإسلامية التي تتفق سياساتها العسكرية والإقتصادية وحتى السياسية مع نظرة الشعوب العربية، التي ترى في تركيا امتدادا للمد الإسلامي ،لاسيما في وجود قيادة تركية تحظى بدعم وقبول كبير في الشارع العربي مع تحفظ بعض الدول العربية على ذلك!!!، إلا أنني أرى أن الوقت قد حان اليوم أكثر من أي وقت مضى لدراسة كل الإحتمالات السياسية في المنطقة ،وعدم الإكتفاء بدور المتفرج تجاه تلك السياسة المجنونة، عندها لاينفع الندم.

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة