الاقتصاد الأردنيّ وتصاعد الضغوطات تزامناً مع موازنة الخبز

الاقتصاد الأردنيّ وتصاعد الضغوطات تزامناً مع موازنة الخبز
الكاتب : د. حسين البناء

ربما لم تشهد الساحة الأردنيّة ومنذ أحداث 1989 مثل هذا المستوى من التوتّر والتجاذبات والضغط السياسيّ من الشارع (الساخن والساكن في آنٍ واحدٍ) على السلطتين التشريعية والتنفيذية. فقد تقبَّل وتجرَّع الأردنيون دفعات متنامية من سياسات وقف الدعم الحكومي للسلع والخدمات وخاصة فيما يتعلّق بتحرير أسعار المشتقتات النفطيّة ومن ثم سلسلة لا تكاد تنتهي من ارتفاع الأسعار والذي تمّ تقبّله من عامّة الناس تحت الخط العام التحرّري للاقتصاد وتحت وطأة إملاءات البنك الدولي وصندون النقد الدولي الذي يمسك بزمام الملف "التصحيحي" الاقتصادي عَقِب الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1989 ومن بعدها الأزمة الأخيرة التي تمرُّ بها البلاد منذ ثلاثة أعوام.

 
تَزامُن الأزمة الاقتصادية الأخيرة مع أحداث الربيع العربي منذ 2011 جعلت من "الحكمة الطارئة"  تأجيل ملف التصحيح والتحرّر الاقتصادي درءاً لتفاقم الأوضاع الأمنيّة، الأمر الذي ساهم في تفاقم وتراكم الأوضاع لمستوى لا يمكن الاستمرار فيه، فلقد ناهز الدين العام (24 مليار دولار) وبلغت نسبته الحد الحرج (90% من الناتج القومي) مضافاً لذلك جملة مؤشرات سلبية تنعكس على التنافسية العامة للدولة والشفافية و الحريات العامة و قراءات أخرى ليس هنا مجالاً للخوض في تفاصيلها.
 
أمام كل ذلك التدهور في المؤشرات، جاءت حكومة (د. عبدالله النسور) على أمل الدفع بزخم باتجاه الإصلاح الاقتصادي، نظراً لحنكة الرجل وخبرته العميقة في الشأن الاقتصادي، فكانت النتيجة مضاعفة الدين العام وتراجع مجمل المؤشرات الاقتصادية برغم الكم الهائل من سياسات وممارسات وقف الدعم الحكومي للمشتقات النفطية وحزمة إصلاحات في معظم الهياكل الضريبية، وربما تم تبرير ذلك وقتها بأزمة (الغاز المستورد) و تراكمات مشاكل (شركة الكهرباء) وتوابع دعشنة المنطقة وإغلاق الحدود مع سوريا والعراق.
 
عقب ذلك جاءت حكومة (د. هاني الملقي) وهو الآخر رجل متعمّق في الشأن الاقتصادي وإدارة المؤسسات العامة، وبرغم الكم الهائل من الإجراءات التصحيحة في قضايا الهيكل الضريبي و وقف الدعم الحكومي للسلع ورفع تسعيرة الكثير من السلع والخدمات، فإن الأزمة ظلت تراوح مكانها، فكان مؤخراً أن اكتملت "ثالثة الأثافي" بالإعلان الحكومي عن وقف دعم الخبز وتعويم سعره بنسبه زيادة تصل إلى 100%، الأمر الذي هيّج الشارع العام بشكلٍ لافتٍ، برغم أن حقيقة الدعم الحكومي للخبز كان يذهب لمالكي المطاحن وأصحاب المخابز والأثرياء والمقيمين الأجانب، أكثر بكثير ما كان يذهب للمستحقين من الفقراء، الأمر الذي وضع مجلس النواب تحت ضغطٍ شعبيّ هائل، الأمر الذي دفع باتجاه ابتزاز الحكومة بقانون الموازنة العامة للعام القادم 2018 مقابل إعادة تشكيل بعض تفاصيل خطة الحكومة بوقف الدعم وخاصة لخبز المائدة.
 
أزمة الخبز الحالية هي اختبار للبنية السياسية في الأردن، وتضع كلاً من الحكومة والنواب تحت ضغط واختبار حقيقيّين، فلا مجلس النواب قادر على تعطيل قانون الموازنة العامة للأبد، حيث سيتم الصرف الحكومي للنفقات خارج إطار الموازنة إلى حين إقرار قانونها، ولا تستطيع الحكومة تجاهل حجم الإحباط والاحتقان الشعبي العام من أداء الحكومة والنواب كذلك، خاصةً في مواضيع كمحاربة الفساد وتحسين أداء مؤسسات الخدمات العامة، وبالتالي فكلا الطرفين في موضع الاتهام بالتقصير وعدم الأهلية الكاملة لإدارة الدور الدستوري لهما.
 
بعض النواب الحاليين والقدامى رأى في ذلك فرصة للتسويق، وبات يحرص على الظهور الإعلامي كبطلٍ شعبيّ محرِّض وحاميٍ لمصالح الشعب، برغم تورط البعض منهم بشبهة (ازدواجية المصلحة) وخاصة عندما يكون رجل أعمالٍ معروفٍ وانتفع من منصبه في إدارة مصالحه،  أو وزيرٍ سابقٍ ما زال يتقاضى بضعة آلاف من الدنانير كتقاعد من الدولة ! وهنا يحدث انفصام الشخصية السياسي.
 
قد يحلوا لكثيرٍ من (قصيري النظر والمتاجرين بالأزمات) إلقاء اللوم على شمّاعاتٍ عدة، فمرّة يُلقى اللوم على الربيع العربي، ومرّة على الأوضاع الأمنية في سوريا والعراق، ومرّة على تراجع هبات المانحين في الخليج العربي وأوروبا والولايات المتحدة ومرّة على أسعار النفط ... الخ ، لكن لا أحد يمتلك الجرؤة الأدبية والأخلاقية بأن يقف موقف المصارحة مع الذات، وأن نكتفي من لعبة تأجيل الأزمات وترحيلها من عامٍ لآخر ، ونستمر في لوم البرلمان السابق والحكومة السابقة، والوقوف على القضية بشموليتها، القضية تكمن في أن البنية السياسة في الدولة الأردنية تعاني من أزمة هيكلية حقيقة، أزمة لا تنسجم مع مسيرة دولة عريقة كان لديها حكومة برلمانية قبل 70 عاماً، دولة عرفت البرلمان والأحزاب والنقابات قبل مئة عام ! دولة أطّر فيها دستور 1952 القواعد الأساسية لبناء دولة حديثة "بنظام نيابي ملكي" يضمن توازن وتعاون السلطات الثلاث.
 
الدولة الأردنية اليوم، معنيّة أكثر من أي زمن مضى، بإعادة النظر في الممارسات السياسية التي تتسم بتغول السلطة التنفيذية مستندةً على حجم كادرها وموازنتها وأدوارها التقليدية، أمام شبه عجزٍ كاملٍ للسلطة التشريعية والتي تبدو اليوم للمواطنين كمجمع رجال أعمال ووجهاء محليين غير قادرين على الدفع بالأدوار الدستورية الحقيقية التي وُجِد من أجلها ابتداءً، الرقابة والتشريع.
 
المخرج الحقيقي والوحيد لما تعانيه الدولة الأردنية على الصعيد الاقتصادي والسياسي كذلك، هو بتوجهات جادة نحو توازن السلطات، وتوسيع الحريات العامة والصحفية والحصول على المعلومات، وتعزيز استقلال ونزاهة القضاء، وإعادة كتابة قانون الانتخاب الذي أضعف العمل الحزبي ومزّق العشائر عبر الصوت الواحد والدوائر الوهمية، وتَبَنِّي سياسات اقتصادية جادة من شأنها تحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز التنافسية والشفافية ومحاربة الفساد والرشوة، وربما آنياً تحويل الموازنة العامة لأداة تصحيح مرحلي سنوي أكثر منه كقانون وسيمرر كالمعتاد، وربما الأهم أن يتم تقديم شخصيات وطنية نزيهة وحرة ومُمكّنة تكون قادرة على حل المشاكل واتخاذ القرار بمرجعية دستورية وقانونية تامة تكفلها المؤسسية وأجهزة الرقابة العامة والشعبية والصحفية والمعارضة.