ما الذي تغيّر حتى يناقض ترامب قرارات أسلافه المرتبطة بالقدس؟ - جورج عيسى

ما الذي تغيّر حتى يناقض ترامب قرارات أسلافه المرتبطة بالقدس؟ - جورج عيسى

 بعد حوالي عشرة أيّام على فوز ترامب بالانتخابات الرئاسيّة، كتب بيتر بايكر مقال رأي في صحيفة "النيويورك تايمس" الأميركيّة تحت عنوان: "سفارة في القدس؟ ترامب يعد، لكنْ هكذا فعل أسلافه". على ما يبدو، يتّجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الابتعاد عن نهج أسلافه بالتروّي في مسألة أكثر من حسّاسة. صحيح أنّ نقل السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى  القدس ليس فكرته في نهاية المطاف، لكن على الأقلّ سيتحمّل تبعات تطبيقها على أرض الواقع.  

إنّ مقارنة بايكر الرئيس الحاليّ بأسلافه قد لا تكون في محلّها. فقد عُرف ترامب باتّخاذ قرارات كبيرة تتعلّق بمستقبل بلاده والعالم، لا لكونها مبنيّة على أسباب موضوعيّة تعلّل اتّخاذها، بل تنفيذاً لوعود انتخابيّة، حتى لو قيلت في لحظة عاطفيّة، أو وهذا الأهمّ، لمجرّد نقض سياسات اعتمدها رؤساء سابقون. وفي قرار نقل السفارة، يبدو اجتماع السببين معاً مقلقين. 
 
حين تحرّك الكونغرس
 
يعود القرار الأميركي بنقل السفارة، إلى أواسط تسعينات القرن الماضي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون. ففي سنة 1995 أصدر الكونغرس قانوناً يعلن بموجبه القدس عاصمة لإسرائيل ويدعم نقل السفارة الأميركيّة إليها بحدّ أقصى في 31 أيّار 1999 تحت طائلة خفض موازنة وزارة الخارجيّة الأميركيّة إلى النصف. لكنّ هذا القانون ترك مساحة تقدير للرؤساء كي يؤجّلوا التنفيذ لستّة أشهر في حال كان لهذه الخطوة أن تضرّ بمصالح الأمن القومي الأميركي. يحصل ذلك بشرط أن يبلّغ الرئيس أعضاء الكونغرس بالأسباب الموجبة لتأجيل الخطوة. من هنا، ذهب الرؤساء بيل #كلينتون، جورج #بوش الابن وباراك #أوباما إلى التوقيع على هذا التأجيل مدفوعين بخوف مستشاريهم من تداعيات قد تطال مصالح الولايات المتّحدة على الرّغم من أنّ القانون قد حاز على أغلبيّة ساحقة في مجلسي النوّاب والشيوخ.
 
"مسار السلام قبل المسألة المتفجّرة"
 
تكتب أوليفيا ووكسمان في مجلّة "تايم" الأميركيّة أنّ الأسباب التي منعت واشنطن من نقل السفارة في تسعينات القرن الماضي ما زالت هي نفسها موجودة اليوم، وبالتالي لم يتغيّر الشيء الكثير حتى يعمد ترامب إلى مخالفة قرارات أسلافه. وذكّرت الكاتبة بأنّ المجلّة لفتت النظر في نسختها الدولية حينها إلى أنّ كلينتون والحكومة الإسرائيلية كانا متّفقين على الخطوة "لكنّهما كانا يفضّلان أن يريا مسار السلام أكثر استقراراً قبل مواجهة المسألة المتفجّرة للقدس". وفي حين ساد تفاؤل غربيّ وعربيّ خلال الأشهر القليلة الماضية باقتراب واشنطن من التوصّل إلى مبادرة جدّيّة لاستئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، سيكون قرار ترامب بنقل السفارة ضربة قاضية لأجواء التفاؤل تلك.
 
سبعة قرارات تناقض الادّعاء الإسرائيليّ
 
عام 1967 احتلّت إسرائيل القدس الشرقيّة خلال حرب الأيّام الستة. وفي سنة 1980، أصدر الكنيست الإسرائيلي قانوناً اعتبر بموجبه القدس "موحدة وكاملة" عاصمة للكيان. وإلى الآن، لا يعترف المجتمع الدولي بالمدينة المقدّسة عاصمة للإسرائيليّين. إنّ قانون الكونغرس، فيما لو تمّ تطبيقه، لا يعني أنّ الولايات المتّحدة تصبح معترفة بأنّ القدس عاصمة لإسرائيل وحسب، بل سيعني أيضاً أنّ واشنطن ستفقد مركزيّة وساطتها في أيّ مسار مقبل للسلام في الشرق الأوسط. إضافة إلى ما سبق، ستعزل #واشنطن نفسها عن معظم العواصم الغربيّة التي تشدّد على أنّ مصير القدس يتحدّد بالمفاوضات بين الطرفين. في أواخر كانون الثاني الماضي، كتب المعلّق السياسيّ جوزف ميكلّف مقالاً في صحيفة "ذا هيل" الأميركيّة يرى فيه أنّ المجتمع الأميركي اليهوديّ نفسه منقسم حول هذه المسألة. وذكّر بأنّ أيّ دولة لم تعترف مطلقاً بالقدس كعاصمة لإسرائيل، لا كاملة ولا حتى بقسمها الغربيّ. ومنذ سنة 1980 أصدر مجلس الأمن الدوليّ سبعة قرارات يرى فيها الإعلان الإسرائيليّ عن القدس مناقضاً للقانون الدوليّ.
 
نقل السفارة ليس بالسهولة المتوقّعة
 
يشير المراقبون، من بينهم جوناثان فيرزيجر في موقع شبكة "بلومبيرغ" الأميركيّة إلى أنّ واشنطن لا تستطيع إلى الآن بناء سفارة في القدس لغياب منشآت كبيرة بما يكفي لضمّ طاقمها الديبلوماسيّ الموجود الآن في تل أبيب. لذلك، يمكن أن يقرّر ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل من دون أن يأمر بنقل السفارة، على الأقلّ ليس في المدى المنظور. وهنالك خلاف حتى حول المكان الذي يمكن للأميركيّين بناء سفارتهم الجديدة فيه.
 
هل ينتظر العالم براهين ترامب؟
 
سنة 1995، اعتمد الكونغرس في قانونه على مبدأ أنّ لكلّ دولة الحق في تحديد عاصمتها، وفي سنة 2017، يقول مسؤولون في البيت الأبيض إنّ خطوة ترامب ليست إلّا "اعترافاً بالواقع"، كما نقلت شبكة "سي أن أن" عنهم. لكنّ نظرة واشنطن الشخصيّة إلى هذا "الحق" و "الواقع" ليست إلّا حالة إنكار كبيرة لواقع موضوعيّ أوسع عبّر عنه القسم الأكبر من المجتمع الدوليّ طوال أكثر من نصف عقد. في آذار 2016، وجد استطلاع رأي أجرته شركة "غالوب" للاستشارات والبحوث الإحصائيّة أنّ غالبيّة الأميركيّين المستطلعين لم تعبّر عن رأيها حول ما إذا كان على الإدارة الأميركيّة أن تنقل السفارة إلى القدس. لكن حتى بالنسبة إلى الذين أبدوا رأيهم في الموضوع، فقد كان لافتاً للنظر انقسام هؤلاء: 24% مؤيّدون و 20% رافضون. من هنا، لا يسير ترامب بعكس تيّار الرأي العالميّ وحسب، بل يكاد يناقض توجّه قسم وازن من الأميركيّين أنفسهم. شبكة "سي أن أن" نفسها ذكرت أنّ المسؤولين في البيت الأبيض لم يقدّموا أيّ حجج تظهر أنّ هذه الخطوة ستطوّر مسار السلام أو حتى المصالح الأميركيّة في المنطقة. بناء على هذا المعطى، سينتظر الأميركيّون والعالم كثيراً حتى يحصلوا على حجج تثبت أنّ كلينتون وبوش وأوباما كانوا مخطئين، فيما هو يمتلك النظرة الواقعيّة لحماية مسار السلام والمصالح الأميركيّة البعيدة المدى في المنطقة والعالم على حدّ سواء.