عاجل

توقيف يوسف قنديل 15 يوماً وإسناد عدة تهم جنائية إليه

البرلمان الأردني وحالة الاستياء العام

البرلمان الأردني وحالة الاستياء العام
الكاتب : د. حسين البناء
عندما جاء دستور 1952 وأورد في أحد أبرز فصوله أن (النظام نيابي ملكي وراثي ) فإن الفقه الدستوري كان يعني ذلك بحق، فقد حرص الجميع وقتها بأن تؤسس دولة ذات صدارة للشعب وإرادته، متمثلا بمجلس النواب المنتخب، حيث يتولى هذا المجلس وظائف طليعية في بناء الدولة، فلا قانون، ولا تعديل دستوري، ولا ضريبة، ولا قانون موازنة، ولا (تشكيل حكومي) له أن يحضى بالشرعية بدون الموافقة البرلمانية عليه، وهذا يعتبر مستوى مرض من التمثيل الشعبي وتمثيل إرادته على هيئة سلطة تشريعية مستقلة وذات أدوار دستورية رفيعة، من الرقابة والتشريع والتدخل في الشأن العام ومساءلة طاقم الحكومة.
 
تجربة الحكومة البرلمانية قديمة منذ (حكومة سليمان النابلسي) ذات الأغلبية عام 1957 ، ولعل تداعيات تلك التجربة جعلت (مفردات الدولة العميقة) تحسم أمرها بخطورة مثل تلك التجربة و عدم تكرارها، حيث من شأنها إعادة رسم خطوط الصلاحيات والنفوذ في الدولة. من هنا انطلقت جهود لاتكاد تنتهي في سبيل تحجيم دور البرلمان في الحياة العامة، إلى أن تم تعطيل البرلمان لعقود، حتى عودة الانتخابات النيابية عام 1989 تحت وطأة الانهيار الاقتصادي آنذاك واشتراط (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) وجوب توافر (برلمان منتخب و أحزاب وصحافة حرة) كمتطلبات أساسية لقبول الملف الاقتصادي وقتها. 
 
جاء برلمان 1989 ليتشكل بهيئة اعتبرت مقبولة للجميع، فقد ضم ثلة من (الحزبيين و النقابيين والمثقفين و رجال الدولة و رجال الأعمال و شيوخ عشائر) فكان طيفا غنيا ممثلا للشعب الأردني بشكل معقول. لكن البعض من (ديناصورات البيروقراطية العميقة) مجددا رأوا بذلك تهديدا لسطوتهم على زمام الأمور في معظم مفاصل الدولة، فكان أن ولج الناخب في دوامة (قوانين انتخاب) موجهة، مرة بقانون الصوت الواحد، ومرة بالدوائر الوهمية، ومرة بمرشحي الدائرة الوطنية العامة والقوائم النسبية، مم أربك المشهد الوطني، وكان نتيجة ذلك إنتاج برلمانات عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من توقعات الناخبين.
 
الأردنيون اليوم ساخطون جدا على برلمانهم المنتخب بأصواتهم، فالعامة يرونه غير قادر على القيام بمهامه الدستورية الأولية، الرقابة والتشريع، فالبرلمان يقوم بإقرار مشاريع القوانين المعدة مسبقا من الحكومة، و هو فشل في فتح ملفات الفساد وسوء الإدارة كأحد مهامه الرقابية، واكتملت ثالثة الأثافي في إقراره لقانون الموازنة العامة للعام 2018 في ظل ظروف اقتصادية صعبة جدا على  المواطن الذي تم تحميله الكثير من الضرائب والرسوم وأسعار المشتقات النفطية و وقف الدعم عن الخبز وسلسلة إجراءات حكومية من شأنها تعزيز الإيرادات العامة.
 
للموضوعية، فإن البيروقراطية لعبت دورا حاسما في تحجيم دور البرلمان، ودفع الناس لفقد الثقة في قدرته، وجعلت من النواب طلاب خدمات عامة ووسطاء في أدوار عامة ليست من ضمن أعمال البرلمان الطبيعية.
 كما أن ارتفاع نسبة (رجال الأعمال والتجار وشيوخ العشائر و الشخصيات الجهوية والمحلية) أمام تراجع أعداد (الحزبيين و النقابيين والمثقفين ورجال الفكر والأكاديميا) قد لعب دورا محوريا في تقزيم دور البرلمان.
 
لعله من الصعب الخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية بدون إجراءات جراحية هيكلية، لكن مقابل ذلك، فإنه يمكن الخروج من المأزق السياسي الداخلي مجانا ! 
ماذا عن تفعيل أداة (الاستفتاء العام) لتصبح الآلية الحقيقية لقياس إرادة الناس، وماذا عن انتخاب مجلس الأعيان أو إلغائه، وماذا عن قانون انتخاب حضاري يعطي الأحزاب حضورا قويا وفاعلا، وماذا عن دوائر انتخابية واسعة ووطنية الأمر الذي يقلل من الجهويات المناطقية وظاهرة شراء أصوات الناخبين الفقراء من طبقة رجال الأعمال ؟ جميعها أدوات حقيقية من شأنها تعزيز حضور السلطة الاولى دستوريا بدلا عن الذهاب إلى المجهول في ظل احتقان شعبي عام داخلي،  وأزمة اقتصادية لا تنفك، و اضطراب سياسي إقليمي مخيف.
 
النهج المتبع حاليا، والمسمى (4X4) والقاضي ببقاء الحكومة والبرلمان لأربع سنوات معا أو رحيلهما معا، يدلل على أن حالة الاستياء العام من أداء البرلمان و سياسات الحكومة الجبائية لن تنفك قريبا، ويبدو أن على الشارع الأردني تمكين بناءات الخبرة التراكمية، والاستفادة من التجارب السابقة مع الصيغ البرلمانية الهزيلة، وأن على الشعب أن ينتبه لمصلحته العامة والتي تنسجم مع مصلحة الدولة ككل، والتي تنص على أن الشعب القوي ينتخب برلمانا قويا ليفرز حكومة قوية، لبناء دولة قوية.