حكاية النائب الدكتور عبد الله العكايلة ابوقيراط

  حكاية النائب الدكتور عبد الله العكايلة ابوقيراط
الكاتب : د. محمد تركي بني سلامة
كشف النائب الدكتور عبد الله العكايلة رئيس كتلة الإصلاح في مجلس النواب في تصريح له لوسائل الإعلام عن طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة في البلاد ،  فوفقا لما صرح به العكايلة  ،  تتعامل حكومة الملقي مع النواب بأسلوب العصا والجزرة، والملقي أبلغ العكايلة حرفيا : "من نظر إلي بقيراط، نظرت إليه بقيراطين"، كما اشتكى العكايلة من أن الإقصاء والتهميش والحرمان من الوظائف لنواب المعارضة لم يعد قاصرا على القطاع العام الخاضع لسيطرة الحكومة، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك، الى القطاع الخاص الذي من المفترض أن لا تكون للحكومة سلطة عليه. الحقيقة إن سلوك الحكومة السابق مع النائب العكايلة وبقية نواب المعارضة هو نهج في الحكم يمتد ليشمل كافة مفاصل الحياة السياسية في البلاد، ويعاني من تبعاته الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والكثير من الكتاب والإعلاميين وغيرهم. 
هذه السياسة التي ينتهجها الملقي في التعامل مع البرلمان ستؤدي على المدى البعيد إلى خلخلة النظام السياسي القائم على الفصل والتوازن بين السلطات ،  وقاعدته الأساسية البرلمان الممثل لإرادة الأمة ،  وعندما يحاول الملقي وضع البرلمان تحت وصاية الحكومة وجعله أداة طيعة بيد الحكومة   فان البرلمان يفقد دوره ومصداقيته وتنعدم مبررات وجوده ،  لأنه حتما سيعجز عن ممارسة الدور المنوط به في التشريع ورقابة السلطة بشكل فعال. 
كما أن انحياز الحكومة لنواب الموالاة يكشف عن نوايا سيئة وغير ديمقراطية ويمكن ببساطة اعتبارها محاولة من الحكومة لبسط رقابتها على الناخبين الذين لن يكونوا ممتنين للنواب الذين انتخبوهم وأخفقوا في تحقيق بعض المزايا أو المكاسب لهم،  في الوقت الذي نجح النواب المواليين للحكومة في تحقيق ذلك لأنصارهم . 
إن هذا الاستخدام القاسي للسلطة من قبل الحكومة، علاوة على ما ينجم عنه من تفاقم للتوتر والتناحر بين الحكومة والبرلمان، هو تعبير واضح عن إخفاق الملقي في القيام بوظيفته كرئيس للوزراء، الذي ينبغي عليه أن يستمع إلى كل الآراء المعارضة والمؤيدة ، ويقف على مسافة واحدة منها،  فإقصاء وتخويف وحرمان المعارضة ،  والنظر إلى الموالاة بقيراطين،  هو أسلوب غير عقلاني وغير سياسي وغير ديمقراطي، وطريقة فجة وغير متوازنة في معالجة الأمور، فالمعارضة ليست عدوا أو خصما حتى يحاول الملقي الانتصار عليها وإلغاء وجودها، ومجالات تحقيق الانتصار معروفة للقاصي والداني فهي الفساد والفقر والبطالة والجريمة والمخدرات والعنف والتطرف  و غيرها. وإذا كان الملقي يبحث عن إنجازات أو تحقيق انتصارات فعليه ألا يعلن الحرب على المعارضة، بل على التحديات السابقة ، التي لم يحقق فيها الملقي أي انتصار حتى الآن . 
ومن اللافت للنظر في تصريحات العكايلة أن بعض رؤساء الوزارات الذين عارضهم وانتقد أداءهم مثل زيد الرفاعي وفيصل الفايز لم يتعاملوا معه بطريقة الملقي التي وصفها العكايلة  بالأسوأ من بين 20 حكومة تعامل معها منذ عام 1989 ،  فالتاريخ شاهد ويسجل لرجالات الدولة ما لهم وما عليهم،   ونحن نعيش في دولة وان كانت ديمقراطيتها هشة أو غير مكتملة، إلا أنها ليست تسلطية فالأنظمة التسلطية هي التي لا تقبل أي رفض لسياساتها أو انتقاد لها أو اعتراض عليها ،  فهي بطبيعتها تسلطية ولا تقبل بالرأي الآخر، ولذلك يسود فيها الاستبداد بالرأي والقرار ، فهل يدرك الملقي وغيره من أركان السلطة التنفيذية أن إضعاف المعارضة وتغوّل واستبداد السلطة يخلق حالة مستمرة من العداء بين الطرفين قد تؤدي الى اجهاض المسيرة الديمقراطية، وهذا ينطوي على مخالفة صريحة لإحكام الدستور والتوجهات والرؤى الملكية بشكل عام والأوراق النقاشية الملكية بشكل خاص.
إن الديمقراطية تعتبر المعارضة ضرورة ومصلحة وطنية، والديمقراطية هي خيارنا الوحيد القادر على صناعة مستقبل جديد للبلاد يقوم على بناء دولة الحق والعدل والقانون، أساسها ملكية برلمانية ومجتمع المواطنة الكاملة والمساواة والعدالة الاجتماعية وانتهاء الفساد والاستبداد،  مما يجنب بلادنا مخاطر الفوضى والتخلف والتطرف والإرهاب. 
 إن تصريحات النائب العكايلة حول الخطاب العدائي للملقي تجاه المعارضة يجب أن تستوقف كل الهيئات السياسية والشخصيات الوطنية والفعاليات الشعبية، فهو برلماني مخضرم ورجل وازن ويحظى باحترام الكثيرين في البلاد، فقد انفصل عن جماعة الإخوان المسلمين إلا انه لم يهادن النظام ولم يتخلّ عن ثوابته الوطنية والدينية، فلم يحد يوما عن الأهداف التي رسمها لنضاله، وانتدب نفسه للدفاع عنها ،  ولعل هذا من أهم أسباب تكرار نجاحه في الانتخابات،  فهو في نظر مناصريه والرأي العام الأردني رجل مبدئي وصادق وملتزم، ولا يستطيع أحد أن يبيعه وطنية أو يزيد أو يزايد عليه ،  كما أن للنائب الدكتور عبد الله العكايلة وسائر النواب التمتع بالحق الدستوري والسياسي والديمقراطي في العمل كمعارضة، وأن تتوفر له كافة الضمانات القانونية والتشريعية بحيث لا يترتب على المعارضة أي مساس بالحقوق والامتيازات، وأي نظرة مخالفة لهذا الفهم لا تفسر إلا بنقصان الشرعية وتخلف الثقافة السياسية.
 
النائب العكايلة وكافة نواب المعارضة هم ممثلون لإرادة الأمة، وهم بسلوكياتهم ومواقفهم تحت القبة يؤسسون لعمل برلماني وطني يأخذ في الاعتبار الأول والأخير وضع الأمور في نصابها الصحيح والمصلحة العليا للبلاد والعباد، وهذا عمل وطني كبير يذكر ويشكر،  ولن يستطيع أن يقوم به من قيد نفسه وربط عنقه من اجل حفنه من المكاسب ، والذي يقبل بذلك لا يستحق أن يكون ممثلا لإرادة الأمة . 
أخيرا ، نقول : إن المعارضة سلوك بشري وتفسير طبيعي عن عدم إمكانية إرضاء جميع الناس، وطالما توجد سلطة ستوجد معارضه ،  وتاريخ المجتمعات البشرية شاهد على ذلك، والمجتمع الأردني ليس استثناء،  فقد عرف الأردن المعارضة منذ نشأة الدولة عام 1921، لا بل إن الأمير عبد الله كان يعطف عليها ويحترم رموزها ،  فهل يدرك الملقي وهو نجل رئيس رئيس وزراء سابق تعايش مع المعارضة  هذه الحقائق ؟ أم أن الملقي جاهل بتاريخ الأردن ولا سيما انه تلقى تعليمه في الغرب ومضى بشهاداته تاركا ثقافته وحضارته و ديمقراطيته؟ هل يدرك الملقي أن أسلوب تخويف وتهميش وشيطنه المعارضة هي التي أوصلت العالم العربي إلى الدرك الاسفل من الاحترام لذاته وحكامه، وهي التي مهدت الطريق لتوارث الربيع العربي؟ إن كان لا يدرك هذه الحقائق فإننا ننصحه قائلين:
 إن صلاح الأمة في اختلاف الأئمة.