عاجل

اقتطاع جزء من رواتب الوزراء لصالح صندوق دعم اسر الشهداء

«الاحتلال»... مرة أخرى وأخرى - مشرق عباس

«الاحتلال»... مرة أخرى وأخرى - مشرق عباس

 القوات الأميركية بدأت الانسحاب من العراق وفق تسريبات الحكومة العراقية، لكنها لم تنسحب ولن تنسحب قريباً وفق وزارة الدفاع الأميركية، بل ستغير مهماتها إلى تدريب وتأهيل الجيش العراقي، والخبر مادة نموذجية وسهلة لـ «الردح» الإعلامي.

 
إلى هنا والحكاية تخص ربما سوء فهم، أو ارتباك، أو سوء تقدير، أو حتى اختلاف بين بغداد وواشنطن حول حدود ومديات وجود القوات الأميركية في العراق بعد نهاية الحرب على «داعش» ومشاركة تلك القوات الفعالة في الحرب.
 
لكن للقضية أبعاداً أخرى، فالضغوط التي مارستها قوى داخلية وخارجية على حكومة حيدر العبادي لم تتوقف يوماً لدفعه باتجاه المواجهة مع واشنطن كانعكاس لتطورات علاقة تلك الأخيرة مع طهران، وتلك القوى تعتقد أن على العبادي أن يرفع كم قميصه ويؤشر بإصبع البذاءة لـ «الشيطان الأكبر»، حالما يتم إبلاغه بتعقيدات في مفاوضات الاتفاق النووي!
 
الضغوط لم تأخذ في الاعتبار يوماً حاجة العراقيين إلى الدعم الأميركي لمواجهة «داعش»، فالأصل أن: «أميركا هي من اخترعت داعش» وليس كل السياسات العراقية والإقليمية الخاطئة التي أنجبت هذا المخلوق الهجين، كما أن المتن واحد: فالعراقيون ليس عليهم التعلم من أخطائهم، وإنما مقدر لهم أن يعيدوا اجترار السياسات نفسها على أمل توقع تغيير لدى جيرانهم!
 
المزايدات حول «القوات الأميركية» لم تتوقف، فهي حاضرة منذ عام 2003 بصور مختلفة، وهو طبق جاهز للتحضير في كل وجبة وعلى أية مائدة، لا سيما إذا كانت عامرة كمائدة الانتخابات، فمرة كان على «قناة الجزيرة» وجوق القنوات الساندة، أن تعّلم العراقيين، مفاهيم «الوطنية» و «العروبة» و «مقاومة الاحتلال»، وأن تطالبهم بمواجهة صواريخ «سايد ويندر» التي تطلقها طائرات تنطلق من قاعدة «العُديد»، بالكلاشنيكوف! ومرة تطالبهم قناة «العالم» ومن تبعها، بأن يشعلوا فتيل «الثورة الإسلامية» التي لم تمس قلوبهم يوماً، للتصدي للقوات الأميركية، نصرة لمحور المقاومة!
 
وربما حان الوقت قبيل أن يخوض العراقيون انتخاباتهم، ويتم تزوير إرادتهم من جديد، عبر «براباغاندا» الترويع وخلط الأوراق والمزايدات، أن يتم الحديث بصراحة، مع الأشقاء والجيران حول الحقائق.
 
فالعراقي التقليدي بذلك المزاج الحاد العنيد الممتد في جذوره إلى تاريخ الاضطراب والحروب والاستعصاء، لم يكن بوسعه يوماً التعايش مع «الاحتلال»... لم يكن بمقدوره فعل ذلك، أميركا فهمت هذه الحقيقة بعد سلسلة من الجرائم الكارثية التي ارتكبتها وعليها أن تدفع فواتير لسنوات طويلة مقبلة عن تلك الجرائم التي لاتموت.. بريطانيا فهمت ذلك منذ أول لحظة وطئت فيها سفنها موانئ البصرة مطلع القرن العشرين... إيران تعرف من دفاتر الدولة الصفوية أن هذه الأرض لم ترقد يوماً تحت حدوات خيولها، بل إن الدولة العثمانية التي حكمت العالم لقرون، لم يكن بوسعها حقيقة تدجين بغداد غير المطواعة، فاكتفت بمحاولة احتواء غطرستها.
 
ليس الأمر كقصيدة فخر، بل واقع فرضته ظروف موضوعية وتفاعلات طويلة الأمد، وقضية الاحتلال الأميركي، مثّلت جرحاً نرجسياً عميقاً في الذات العراقية، لايختلف عن ذلك الجرح الذي خلفه «داعش»، ولذلك يسهل استخدامهما في كل مناسبة كمادة للترويج أو الطعن الانتخابي.
 
خلاصة القول... إن العراق، الذي يحاول النهوض بعد سلسلة كبوات قاتلة، عليه أن يحاول استثمار الوجود الأميركي الحالي لتحقيق التوازن المطلوب بين قوى مازالت تعتقد أن أرضه لاتصلح سوى مقبرة لشبابه، وساحة لتنفيس الصراعات الإقليمية والدولية. وسيكون على حيدر العبادي في هذه المرحلة الحساسة وليس بعدها، إبلاغ الجيران وأبناء شعبه، بأن خيار التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، قرار عراقي، إمني وإستراتيجي، فرضته رعونة أصدقاء العراق ونيات أعدائه، وإن تغيير هذا السياق مقترن بقناعة لم تتشكل بعد في أذهان دوائر القرار الإقليمية، بضرورة منح العراق حق الاستراحة من مهرجان الدم الذي كاد يمحو خريطته.