الفلسطينيون أمام سؤال الانسداد - عدلي صادق

الفلسطينيون أمام سؤال الانسداد - عدلي صادق

 بات على الفلسطينيين أن يوجهوا لأنفسهم السؤال المصيري الذي تتفرع عنه أسئلة أخرى: هل يتيح هذا الانسداد الذي أمامهم، فرصة لرؤية جديدة؟

 
لا يختلف اثنان في أن إدارة العملية السلمية، على الصعيد الفلسطيني، بالطريقة التي جرت منذ بدئها، قد اصطدمت بالجدار وسقطت، وأن المقاومة المسلحة بالطريقة التي أديرت بها، اصطدمت بالوقائع الميدانية وكفت عن الفعل المُبادر، وعن معظم ردود الأفعال، ولم تعد جزءاً من المعادلة الراهنة.
 
في هذه الحال، أصبح هامش المناورة لدى الفلسطينيين ضيقا وشحت الخيارات، دونما أدنى إشارة، بأن الذين تغاضوا عن المقاومة اقتنعوا بلزومها مُحكمة وتقوم على عنصر التخطيط في إطار التوافق. والشيء نفسه يقال عن أوساط إدارة المقاومة والناطقين بلسانها، الذين لم يقتنعوا بلزوم السياسة، ودأبوا على إنكار جدواها وتخوينها.
 
كان المحتلون الإسرائيليون، معنيين بإحباط السياسة بقدر دفعهم العدواني لإحباط المقاومة، وقد نجحوا مستفيدين من الثغرات والنواقص في منهجية الأولى فلسطينيا، ومن الزوائد وخطاب الطنين في الثانية.
 
ففي المنهجيتين انقلبت الأولويات، فجرى في السياسة تقديم موضوع الاعتراف الأممي بفلسطين، من قبل المنظمة الدولية، على موضوع تحديد المسافة مع الاحتلال على النحو الذي يتوافق مع ممارساته، وموضوع العمل على إعلاء شأن القضايا التفصيلية في مسألة فلسطين وواقعها الراهن ومشكلات مجتمعها. كذلك تقديم مسألة الاعتراف بفلسطين، على مسألة الاعتراف بحاجيات المجتمع الفلسطيني مادياً ومعنوياً.
 
كذلك جرى في المقاومة تقديم النيران على حسابات المصالح الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للمواطنين، وتقديم الصاروخ على ضرورات السياسة وعلى أهمية التساوق مع مكتسباتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، وعلى أهمية أمن البشر.
 
لا يزال المعني الضمني لنداءات المطالبة بإنهاء الانقسام، يلامس رغبة المنادين بتعاضد السياسة مع المقاومة، وفق استراتيجية عمل وطني واحدة. وفي هذا الخضم، نرى أن طرفي الخصومة في الساحة الفلسطينية، عاجزان عن الإجابة عن أسئلة الانسداد.
 
فلا أصحاب السياسة يمتلكون سببا واحدا للإشادة بأحوالهم، ولا أصحاب المقاومة يمتلكون. بل إنهما في لغة تضييع الوقت، يشدد أحدهما على خيار السياسة حتى بعد أن أصبحت محض تعاون أمني مع إسرائيل، مصحوبٍ ببعض الطلقات الكلامية، والآخر يشدد على ضرورة المقاومة بقدر تشدده في منعها.
 
أما في مناسبات الإعلان عن اتفاق تصالحي، فيرى واحدنا العجب: أناس مبتهجون يرفعون أيديهم متشابكة، ما يشي بأن أجوبة قديمة تتعلق بتقييم كل طرف للآخر، قد سقطت، وسُمعت أجوبة جديدة.
 
في السياق، كان كل طرف ينكر جدارة الطرف الآخر، في التعبير عن القضية الوطنية الفلسطينية. وبعد كل مناسبة أصبح المستجد هو أن ينكر كل طرف حتى الساحة والأرض التي يقف عليها الطرف الآخر، بكل سكانها. فقد أصبحت غزة، في إدارة رام الله، أرض اليباب، وأُسقطت من الحساب، هي وحقوق أهلها وعذاباتهم، وحتى حقوق الموالين فيها لرئاسة النظام الفلسطيني. فكيف يجيب الفلسطينيون عن سؤال الانسداد، ويؤسسون لرؤية جديدة؟
 
إن أية إجابة لن تستمد صدقيتها إلا من خلال خطوات تدل على الجدية في تبني رؤية جديدة؛ إنهاء الانقسام أولا، وتحييد جهاز إدارة نواة الدولة، ليصبح جهازا للمجتمع وليس للفصائل، وإنهاء القطيعة بين طرح المقاومة وطرح السياسة، والتأهل بالثقافة وبالكفاءات وبالفهم السياسي وليس بالثرثرات، للنهوض باستراتيجية عمل وطني فلسطيني. ففي المقاومة لا ينبغي أن يتجاوز كلام الطنين طول السيف، وفي السياسة لا يتجاوز التعاون مع المحتلين مشاعر الناس وهو يستحق القطع من الوجهة المبدئية.
 
في حديث اليوم طُرحت مقاربة فك الارتباط مع الاحتلال، وطولبت الحكومة في رام الله بالمباشرة في القطع، وسرعان ما سُمع السؤال: كيف يقطعون بينما الحكومة تتنفس وتتحرك بتصاريح إسرائيلية؟ وماذا عن الاقتصاد المقيّد، وعن مصير قوى الأمن، وعن ثغرات النظام السياسي وعجزه المؤسساتي المدني، وعن توحشه الأمني على الناس؟
 
ما زال الفلسطينيون عاجزين عن الإجابة عن سؤال الانسداد، وإن كان بمقدورهم تقديم إجابة نظرية لا تتوافر لها مقومات التطبيق.
 
 
كاتب وسياسي فلسطيني