سبع سنوات على الربيع! - سليمان جودة

سبع سنوات على الربيع! - سليمان جودة

 في مثل هذه الأيام من عام 2011، كان ما يُسمى بالربيع العربي يدق الباب بقوة في عاصمتين عربيتين، وكانت عواصم ثلاث أخرى في القائمة تنتظر، وكانت عاصفته تضرب سماء العرب، كما لم تضربها عاصفة من قبل، وكان في مرحلة من مراحله قد تحوّل إلى ما يشبه الإعصار الذي يقتلع كل ما يعترضه في الطريق!

كانت رياحه قد مرت في فضاء تونس، وكانت قد وصلت إلى القاهرة، وكانت، في ذلك الوقت، لا تزال تناوش في دمشق، مرة، وفي صنعاء، مرة ثانية، وفي طرابلس الغرب، مرة ثالثة.. وحين دار العام سبع دورات، وجدنا أنفسنا في هذا العام، واكتشف مواطنو الدول الخمس، بدرجات، أن ما ظنوه ربيعاً عندما لاحت بوادره من بعيد، لم يكن له من الربيع الذي يعرفونه في فصول السنة شيء!
 
ولم نكن نعرف، إلا فيما بعد، أنه لم يكن مفاجئاً لأهل القرار بالذات، فلقد ظنناه مُفاجئاً لهم حين بدأ، وحين كانت كل عاصمة كان قد وصل إليها ربيعها، تحاول تطويقه بأي طريقة.. ولكن دون جدوى!
 
كانت له بدايات بعيدة، وكانت له تباشير، وكانت له علامات، لولا أن الذين رأوا ذلك كله، في موقع القرار، لم يأخذوا الأمر بالجدية التي كان لا بد أن يؤخذ بها، ولا احتاطوا له، ولا احترسوا!
 
وفي حالة مصر، مثلاً، يروي أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في مذكراته السياسية الصادرة في القاهرة عام 2013، ما يشير إلى بوادر تلك التباشير المبكرة!
 
المذكرات عنوانها «شهادتي»، وفيها يحكي أبو الغيط ما سمعه بأُذنيه، وقت أن كان وزيراً لخارجية حسني مبارك، لسبع سنوات متصلة، بدأت في 2004، وانتهت في العام المُسمى عام الربيع!
 
وقتها، كان قد عاد من زيارة إلى الولايات المتحدة، بعد لقاء عاصف مع كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس جورج بوش الابن، وكان عليه أن يذهب إلى قصر الاتحادية، حيث مكتب مبارك، ليقدم له تقريراً عن أجواء الزيارة التي لم تكن بالنسبة له ككل الزيارات!
 
يقول إنه عندما انتهى من تقديم تقريره، وقف مبارك ومشى معه عدة خطوات يودعه عند الباب، وفجأة، أمسك الرئيس الأسبق بيد وزير خارجيته، وهمس له بما معناه أنه يشعر بأن واشنطن تخطط لإقصائه عن كرسي الحكم!.. هكذا دون مقدمات!!
ومن هول ما سمع وزير الخارجية من الرئيس، فإنه كما يشرح في المذكرات، لم يجرؤ على أن يتكلم مع أحد، أي أحد، بما سمع به من مبارك، وقرر أن يحتفظ بما سمعه، لنفسه، وعندما روى الواقعة في مذكراته، كانت هذه هي المرة الأولى التي يبوح فيها بالسر!
 
ولا أعرف ما إذا كان قد ناقش مبارك فيما قاله في لحظته، أم لا، ولكن الواضح أن الرئيس وهو يهمس لوزير خارجيته، بما يستشعره، لم يدخل في تفاصيل، ولم يكشف عن معلومات، ولا الوزير بالطبع قد استزاده في الموضوع.. فكلاهما كان مأخوذاً؛ الرئيس بما يشعر، والوزير بما يسمع!
 
ولا بد أن خشونة اللقاء بين أبو الغيط ورايس، هي التي أوحت لمبارك وهو يسمع تفاصيلها، بأن يقول ما قاله، وهي التي أيقظت في أعماقه شعوراً لم يتحدث عنه فيما يبدو، مع كثيرين من أركان حكومته، وعاش يحمله في داخله، إلى أن أدرك بعدها بسبع سنوات، أن شعوره كان في مكانه، وأن إحساسه كان في موضعه، وأن ظنه كان صادقاً!
 
ولكن استهانته بما أحس كانت بمثابة خطأ العمر!
 
وكانت أقرب ما تكون إلى خطأ أبطال رواية «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، الذين كانوا قد اختبأوا في فنطاس شاحنة كبيرة، على أمل أن يتمكنوا من عبور الحدود من بلد إلى بلد، بعيداً عن عيون الشرطة، فلما طال بقاؤهم في أماكنهم اختنقوا، ولكنهم وهُم يقاومون الاختناق لم يفكروا في طرق الباب، ولا حتى حاولوا، ولو فعلوا لكانوا قد صادفوا مَنْ يقذف إليهم طوق النجاة!
 
كانت الحياة هي الثمن الذي دفعه أبطال كنفاني، لأنهم لم يدقوا الباب.. وكان المنصب هو الثمن الذي دفعه مبارك، لأنه أيضاً لم يدق الباب، رغم الإشارات التي تلقاها في مرحلة مبكرة!
 
ولكن فروقاً مُهمة تظل قائمة بين حالة أبطال الرواية وحالة مبارك.. لقد كانوا في آخر المطاف شخوصاً من خيال، ولكنه كان شخصاً من لحم ومن دم، وفي واقع حي.. كانوا هُم مسؤولين عن أنفسهم بالكاد، وكان هو مسؤولاً عن بلد مساحته مليون كيلومتر مربع!
 
كانت بدايات الرياح القادمة لا تزال تتجمع هناك في 2004، وكان من الممكن احتواؤها في زمانها، وفي مكانها، وكان من السهل نزع فتيل إشعالها في البداية، ولكن مبارك فاته هذا كله، رغم أنه بحكم موقعه كان يملك من المعلومات، ما لا نملكه بالضرورة، وكان كذلك يملك من أدوات التصرف والفعل، ما لا يملكه آحاد الناس الذين فاجأتهم رياح الربيع العاتية!
 
كان احتواؤه في بداياته البعيدة كفيلاً بأن يجعل أمره في أيدينا، وليس في أيدي الذين أرادوه وأداروه، وكان في إمكاننا أن يكون لنا ربيعنا الحقيقي الطالع من أرضنا، لا الربيع الزائف الذي جاء مُحملاً بكل ما لا علاقة له بربيع السنة!
 
ولأن «كان» فعل من أفعال الماضي، فإن التقييم الأخير للسنوات السبع، يجعلها خصماً في كل ميزان، من حياة كل بلد عرف ربيع هذا العقد من الألفية الثانية وعايشه!
 
وأغرب ما في أحداث تلك السنة، أن عدداً من الساسة في الغرب، لا يزال يراها ربيعاً، وقد كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأخيرة إلى تونس، واحداً من هؤلاء الساسة، وإنْ كان المؤكد أنه لن يكون آخر واحد فيهم!.. ففي أثناء زيارته راح يتكلم ليس فقط عن الربيع، وإنما عن «الربيع المُزهر»، على حد تعبير هذه الصحيفة، وهي تنقل عنه في صفحتها الأولى، صباح الجمعة الماضي!
 
أربيع مُزهر هذا الذي نعيشه، ونعاينه، ونراه؟!.. إذنْ ما شكل الربيع إذا غابت عنا أزهاره؟!