غزة... أول السلام وآخره - نبيل عمرو

غزة... أول السلام وآخره - نبيل عمرو

 منذ أن بدأت الخلايا السرطانية بالظهور في الجسد الغزي، وكل من له علاقة بغزة من داخلها ومن محيطها الأقرب والأبعد، تعامل مع المرض على طريقة الإسعافات الأولية، فإن قل الوقود سارع مدعو الخير إلى تقديم بعض الصهاريج، وإذا انقطعت الكهرباء تطوعت مصر تارة وإسرائيل تارة أخرى بالتزويد، وغالباً ما يكون محدوداً للغاية.

وحين تدمر إسرائيل ربع منازل أهل غزة، يتطوع الأصدقاء والأشقاء بتوفير بعض المنازل الجاهزة، مع بعض مواد البناء التي جعلت غزة حتى الآن، عرضة لأن يموت الناس فيها من لظى الحر في الصيف والبرد القارس في الشتاء.
 
كانت الإسعافات الأولية التي شارك العالم كله فيها، بمثابة الغطاء المتوفر للفت الأنظار عن الانتشار السريع للخلايا السرطانية، التي لا بد وأن يأتي يوم ليجعل الشفاء منها أمراً ميئوساً منه.
 
وها نحن نقترب من هذا اليوم، فالجميع يقف حائراً أمام معضلة غزة، ولا أحد يملك حلاً، ونظراً لفداحة الكارثة صارت مأساة غزة مثل كرة نار تتقاذفها الأيدي، متنصلة من المسؤولية عن الكارثة وكذلك المسؤولية عن الحل، حتى أن أموراً غير منطقية صارت تطرح حيال هذه المعضلة؛ البعض ربط الحل بحتمية إجراء المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية، وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب وتوابعه، وهذا إن لم يكن مستحيلاً فهو يزداد صعوبة مع كل يوم.
 
أما إسرائيل التي دمرت غزة عدة مرات، ولا تزال تطبق الحصار عليها لعلها تختنق وتستسلم، فهي تطرح موقفاً غير منطقي أيضاً، فعليها أن تحاصر وعلى العالم أن يفك الحصار.. عليها أن تقترح المخارج وعلى العالم أن ينفق عليها.
 
يوماً تعرض بناء جزيرة في عرض البحر لتمكين الغزيين من السفر تحت الرعاية الإسرائيلية ذهاباً وإياباً، وتقترح تحلية مياه البحر كي لا يعاني المحاصرون من اضطرارهم لشرب الماء المالح، ولكي تنتظم الكهرباء في الوصول بنسبة مائة في المائة إلى منازل ومستشفيات ومنشآت الغزيين، فهي تتكفل بذلك، شريطة أن يدفع العالم الفواتير وفوقها الضرائب وبدلات السماح وتقديم التسهيلات، وبينما تقترح إسرائيل ذلك، وتعرضه على العالم كبادرة حضارية إنسانية، يواصل جنرالاتها زيارة غلاف غزة، ويراقبون بمناظيرهم الفاحصة والمكبرة كل حركة وسكنة في القطاع، ويضعون اللمسات الأخيرة على خطط الغزوة القادمة مع الإكثار من تصريحات الطمأنة بأنهم غير معنيين بحرب جديدة على غزة إلا إذا قامت غزة بذلك.
 
تقول الأمم المتحدة إنه خلال سنتين لن يكون القطاع المكتظ صالحاً للحياة الآدمية، ويقول أهل غزة إنهم ودعوا الحياة الآدمية منذ سنوات. أما غرينبلات، المقاول التنفيذي لصفقة القرن فطلب من حماس أن تحل المشكلة.
 
كلما نظرنا بتفحص إلى الأجندات المتصارعة داخل غزة ومن حولها، نرى أن الجسد المنهك وقد اكتظ بالخلايا السرطانية، وفيما مضى كان هنالك إسعافات أولية تأتي من جانب أصحاب الأجندات المموهة بأغلفة إنسانية، أما الآن فحتى هذا لم يعد متوفراً.
الذي ينظر إلى السطح، يرى مأساة إنسانية لا مثيل لها ربما في أي مكان من العالم، ومن يتعمق ولو قليلاً لما تحت السطح، فسوف يرى عامل تفجير كامناً لأي إمكانية متاحة أو متخيلة لحل سياسي يقترح للمسألة الفلسطينية، فمثلما كانت غزة أول السلام الذي أتت به أوسلو، فسوف تكون آخره، وهذا ما ينبغي أن يلتفت إليه جيداً كل من ينشد استقراراً ولو نسبياً في المنطقة.