التعليم اُختزلَ بالتوجيهي! - د. رشيد عبّاس

 التعليم اُختزلَ بالتوجيهي! - د. رشيد عبّاس
النظام التعليمي لدينا في الاردن يتألف من ثلاثة مراحل هي مرحلة ما قبل التعليم الاساسي, ومرحلة التعليم الاساسي, ومرحلة التعليم الثانوي, وتبدأ هذه المراحل من رياض الاطفال وتنتهي بالصف الثاني الثانوي بجميع فروعه(التوجيهي), ونظامنا التعليمي له مكونات محددة يفترض ان تكون مرتبطة ومتكاملة مع بعضها البعض تتفاعل معاً من أجل تحقيق جملة من الأهداف التربوية خلال فترة زمنية محددة مسبقا, وفي الوقت الذي تشرف وزارة التربية والتعليم على النظام التعليمي, الا انه لوحظ في الآونة الاخيرة تراجعا في المكونات الاساسية لنظامنا التعليمي تتعلق بمستوى تحصيل الطلبة من جهة, وفي قدرات هؤلاء الطلبة على حل المشكلات والاستقصاء والتحليل والمقارنة والربط والاستنتاج من جهة اخرى.
 
 اعتقدُ جازما ان احد اهم اسباب هذا التراجع في تحصيل وقدرات هؤلاء الطلبة هو الاهتمام المبالغ فيه وغير المبرر في امتحان شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) فقط, متناسيين دون قصد المراحل الاخرى في نظامنا التعليمي, حيث ينبغي ان يكون فيه نظامنا التعليمي معنيا بتحصيل الطلبة من رياض الاطفال الى الصف الثاني الثانوي(التوجيهي), ومعنيا ايضا بقدرات هؤلاء الطلبة على حل المشكلات والاستقصاء والتحليل والمقارنة والربط والاستنتاج, كيف لا والنظام التعليمي مظلة واسعة تقع تحت اهتمامه جميع مراحل الدراسية, وليس مرحلة بعينها. 
 
 والسؤال الجوهري المطروح هنا, ما الجدوى من التركيز على امتحان طلبة شهادة الثانوية العامة (التوجيهي), وترك فئة كبيرة من الطلبة على مقاعد الدراسة في احدى المراحل الاخرى لا يحفظوا جداول الضرب, او لا يستطيعوا قراءة فقرة او كتابتها بطريقة صحيحة, او لا يستطيعوا كتابة موضوع تعبير يتكون من خمسة اسطر, او لا يستطيعوا استخراج معنى كلمة (انجاز) من معجم الوسيط او من معجم لسان العرب, او لا يستطيعوا استقصاء وحل مشكلة (الطاقة) على سبيل المثال لا الحصر وتحليلها وعمل مقارنات ثم ربط مقدمات المشكلة وعمل الاستنتاجات والحلول اللازمة لذلك,او...او.
 
لقد كشفت دون ادنى شك معظم الاوساط الحسابية والانحرافات المعيارية وبدلالات احصائية ذات معنى ان الاختبارات المحلية للصف العاشر الاساسي والاختبارات الدولية في العلوم والرياضيات (PISA and TIMSS) للصف الثامن والتي تهدف لقياس جودة التعليم وضبطه لدينا كشفت ان هناك ضعف شديد جدا لدى الطلبة من رياض الاطفال الى الصف الثاني الثانوي في حل المشكلات والاستقصاء وفي التحليل والمقارنة والربط والاستنتاج, في الوقت الذي نغرق فيه في الاهتمام والتركيز على (معالجة) بطريقة او بأخرى نسب النجاح لنتائج الثانوية العامة (التوجيهي).
 
 بكل صراحة وشفافية نطمح جميعا ومن خلال اصحاب الاختصاص ان تكون نسب النجاح مرتفعة وحقيقية في مرحلة امتحان شهادة الثانوية العامة(التوجيهي),وفي باقي المراحل من خلال تدريب المعلمين وتأهيلهم وتنمية قدرات الطلبة على مهارات حل المشكلات والاستقصاء والتحليل والمقارنة والربط والاستنتاج, والكشف مدى امتلاك مثل هذه المهارات عند جميع الطلبة فقط عن طريق فقرات اختبارية مقننة احصائيا تتسمُ بالثبات والصدق والموضوعية.
 
لقد اشارت جلالة الملكة رانيا العبد الله في وقت ليس ببعيد في هذا الاطار حيث قالت (مرة أخرى تضعنا نتائج الاختبارات أمام واقع تراجع مستوى نظام التعليم في الأردن، مع اعلان نتائج اختبارات التيمز  TIMSS الدوليه للعلوم والرياضيات, حيث تراجع مستوى الأردن في اختبار الرياضيات للصف الثامن في التيمز 20 نقطة ، وتراجع في اختبار العلوم 23 نقطة, ولا يمكننا تجاهل ما يحدث لتعليمنا، ولا يمكننا تحمل تبعات عدم اصلاحه).
 
نعم نريد لنظامنا التعليمي ان يكون مظلة شاملة لجميع مراحله الثلاثة وليس اختزاله بـمرحلة (التوجيهي)كما هو الحال, وان لا نبقى قابعين خلف هذا الامتحان والتغني به, تاركين فئة كبيرة من طلبتنا تتراجع مستوياتهم يوما بعد يوم, فالإنجاز الجزئي وان حصل لا يكفي ولا يطور عملا, المطلوب (الانجاز) الكلي والشامل والمستمر لجميع مكونات مراحل نظام التعليم الثلاثة لدينا, نريد (انجازا) يتسمُ بالفعل الحقيقي وليس القول الهوائي, اقول انجازا بالفعل الحقيقي كما دعا له سيد البلاد جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم في حديث له مؤخرا, وكما فهمناه نحن الاردنيين من جلالته.   
 

أكثر الأخبار قراءة