روسيا تنكفئ نحو سوريا المفيدة - محمد قواص

روسيا تنكفئ نحو سوريا المفيدة -  محمد قواص

 تدافع الولايات المتحدة عن خيارها في دعم الأكراد شرق الفرات، وتضع لذلك الدعم حدودا جغرافية يُبقي عفرين خارجه. وإذا ما اقترب رتل مشبوه ليخترق الفرات باتجاه الشرق ويهدد قواعد لقوات حماية الشعب الكردية في دير الزور، فإن مقاتلات أميركية تغير لتبيد المهاجمين، كما أغارت وأبادت في مايو 2017 قافلة تابعة أو داعمة لنظام دمشق تقدمت باتجاه قاعدة التنف. وحين يكتشف العالم أن الرتل المشبوه في دير الزور ضم المئات من المرتزقة الروس قضوا بنيران المقاتلات الأميركية، فإن هذا العالم كما واشنطن وموسكو يسكتون عن هذا “التفصيل” داخل المحرقة السورية الكبيرة.

 
ينطلق وزيرا الدفاع والخارجية الأميركيين مع مستشار الأمن القومي لمعالجة “الإشكال” المُلِح في العلاقات التركية الأميركية. تجري المداولات وفق خطوط الخرائط ما يطلق يد تركيا داخل حدائقها الأمنية في شمال سوريا. ووفق التفاهمات الغامضة بين واشنطن وأنقرة تتعامل القوات التركية مع محاولة قوات تابعة لنظام دمشق التدخل في شأن عفرين.
 
وما بين ما هو أميركي وما هو تركي تطلق موسكو وطهران ودمشق عملياتها في الغوطة الشرقية. يستفيد الحلف الثلاثي من تمترس أنقرة وواشنطن داخل مناطق الأمن التي اختّطتاها لنفسيهما في الشمال والشمال الشرقي لسوريا، والتي على ما يبدو لا تتمدد نحو الجغرافيا السورية الأخرى ولا صوب ما كان يعرف بـ“سوريا المفيدة” وفق تعبيرات بشار الأسد العتيقة. فحتى إشعار آخر لا يبدو أن تركيا أو الولايات المتحدة معترضتين على المجزرة التي ترتكب في الغوطة الشرقية وكأن نتائجها لا تدخل في حسابات الربح والخسارة لدى البلدين.
 
والأرجح أن نتائج معركة الغوطة سواء في صمودها أو سقوطها ما لا يغير من موازين القوى النهائية التي ترسم التسوية النهائية في هذا البلد. فيكفي تتبع البوصلة الأميركية لاستنتاج أن معارك التفصيل لم تعد تؤثر على نتائج الجملة، ذلك أن التسويات المتوخاة بين العواصم الكبرى لن تأخذ في الحسبان وقائع الميدان، لا سيما وأن التحديات الكبرى المرتبطة بمصير إيران وحزب الله ونظام الأسد والموقف الجيواستراتيجي الإسرائيلي لن يقف أمام تبدّل مشاهد إدلب والغوطة وغيرها.
 
يعكس ارتفاع حدة النيران لدى كافة الأطراف الدولية حقيقة أن التسويات في ما بينها بعيدة لكنها ضرورية داهمة بما يستدرج حسما عسكريا هنا وهناك. تستعيد موسكو لغة النار التي لم تسقط حتى في أوج رعايتها لعمليات أستانة وسوتشي التسووية. لا تحتاج واشنطن إلى جراحات سورية كبرى، فميدانها حتى الآن يشمل كل النفط السوري ولا يحتاج إلى فائض مغامرات عسكرية. وحدها موسكو تستشعر نكسة في ورشتها النارية في سوريا التي باشرتها منذ خريف 2015. وحده فلاديمير بوتين يرتعد من هذا الانزلاق الخطير لمغامرته العسكرية في هذا البلد. بات الروس يستقبلون جثث موتاهم العائدة من الجبهات السورية بما يعيد إليهم الذاكرة المقيتة حين كانت جثث القتلى تتدفق عائدة من الجبهات الأفغانية قبل عقود. يترجل رجل الكرملين من طموحاته السورية الكبرى ويعيد الالتحاق بـ“سوريا المفيدة” الصغرى.
 
تبقى الغوطة الشرقية مخرجا مناسبا لتحقيق النصر. إيران تريد أن توسّع من سيطرة النظام السوري على الضواحي القريبة والبعيدة للعاصمة وبالتالي توسّع من تواجدها العسكري والسياسي، خصوصا إذا ما فرضت الضغوط الإسرائيلية انكفاء القوات الإيرانية كما الميليشيات التابعة لها عن منطقة عازلة واسعة تبعدها عن الحدود الجنوبية مع إسرائيل. أما روسيا ورغم نفيها الضلوع في غارات الغوطة، فتودّ بالقوة العسكرية الإطلالة من خلال الغوطة على الشركاء الكبار، لا سيما الولايات المتحدة، لإعادة قراءة المشهد الميداني ووضعه في حسابات واشنطن والأوروبيين. هؤلاء بدأ حضورهم ثقيلا يطيح بموازين القوى التي كانت معقودة لروسيا قبل أن تثير سوريا شهية فريق ترامب وتجذب الأوروبيين من جديد.
 
على أن معركة الغوطة تخاض بصفتها عنوانا جديدا من عناوين الحسم العسكري العزيز على قلب دمشق وطهران. خُيّل للنظام السوري وإيران أن الحل العسكري الذي أسقط حلب بالتواطؤ الكامل لتركيا سيسقط سوريا برمتها في أيدي نظام دمشق. وإذا ما خيبت روسيا آمال دمشق وطهران في جرّ موسكو نحو الحل العسكري الشامل في سوريا، فإن موسكو تعيد الاتّساق مع هذه الاستراتيجية وتبشّر عبر وزير خارجيتها سيرجي لافروف بحلب جديدة في الغوطة.
 
غير أن للأزمة السورية أبعادا مجهولة تتكشف يوما بعد آخر لتتحول إلى أعقد أزمات الأرض وتهدد السلم العالمي برمته. وإذا ما كانت واشنطن تسمح لروسيا وإيران بخوض مغامرة الحسم العسكري، فذلك إما لأن نتائج تلك المعركة، على ما تتسبب به من مآسٍ إنسانية، لا تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وإما لأن واشنطن نفسها تمسك بمفاصل لا تسمح بتجاوز الخطوط ولا تتيح الاصطدام بسقف المتاح داخل سياق التناتش مع موسكو.
 
ورغم صعوبة رسم خط بياني واضح لمسار الأحداث في سوريا وعقم التورط باستشراف دقيق لمآلات التحركات العسكرية المتعددة الأطراف، فإن ما شهدته الساحة السورية في الأشهر والأسابيع والأيام الأخيرة يعطي مؤشرات فاضحة عن نوعية المفاجآت الاستراتيجية الكبرى التي قد تقلب مصير أي معركة. من هذه المفاجآت الإغارة الهوليوودية الكثيفة بطائرات درون “مجهولة” على قاعدة حميميم وقبل ذلك القصف الذي طال قاعدة طرطوس، الروسيتين. ومن هذه المفاجآت إسقاط مقاتلة روسية بصاروخ “مجهول” من قبل مقاتلين “مجهولين”، إضافة إلى تمكّن المقاتلين الأكراد من إسقاط مروحية تركية فوق عفرين ما يهدد حرية حركة الملاحة العسكرية التركية في المنطقة. وتوّجت المفاجآت الدراماتيكية بالتدمير الجوي للرتل الروسي الشهير.
 
سرّب مجهولون شريطي فيديو. الأول التقطته كاميرا جوية كانت تسجل عمليات قصف الطائرات الأميركية للقافلة المؤللة للمرتزقة الروس أثناء تقدمهم باتجاه القواعد الكردية الأميركية بالقرب من دير الزور. تواكب هذا التسريب مع آخر أرضي سجلته كاميرات المرتزقة الروس أنفسهم بحيث ظهرت جسامة الخسائر البشرية والآلية التي تكبدتها القوات الروسية المستهدفة. وبين ما ظهر من الجو وذلك الذي كُشف على الأرض، بدا حجم التفوق الأميركي في فرض وقائع على الأرض تطيح بأي حراك داخل سوريا يتخطى المتاح والمسموح.
 
قد لا تخرج معركة الغوطة عن سياق مفاجآت مقبلة كتلك التي رافقت معارك سورية في مناطق أخرى. والمتأمل للمواقف التي أطلقها وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيين، كما تلك التي كررها مستشار الأمن القومي أمام مؤتمر الأمن في ميونيخ في مسألة العزم على مواجهة إيران، سيلحظ أن معركة الغوطة تأتي خارج تلك الحسابات، لا بل على النقيض منها.
 
وفيما تروّج في العواصم الأوروبية مواقف تقترب من الموقف الأميركي بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني، وفيما يتجه مجلس الأمن للتصويت على قرار يدين ما كشفته تحقيقات الأمم المتحدة من تورط إيراني في تزويد الحوثيين بالصواريخ الباليستية التي ضربت وهددت الأراضي السعودية، فإن للغوطة صدى ناشزا لا يتّسق مع المسارات الدولية الراهنة.
 
يبقى أن الغوطة تدفع ربما ثمن مجموعة صفقات خلفية تضع روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وإيران داخل تقاطع تدور داخله مقايضات خبيثة. تلك هي الحكاية القديمة الجديدة للعبة الأمم.