يا أهل الغوطة: لن يأتي أحد لإنقاذكم - أحمد أبو دوح

يا أهل الغوطة: لن يأتي أحد لإنقاذكم - أحمد أبو دوح

 ما يحدث في الغوطة الشرقية ليس فقط قضية أخلاقية، لكنها معضلة نفسية تتشكل نتيجة تراكم منظومة قيم جديدة تماما.

 
قصف النظام السوري، الذي خلف خلال ساعات قليلة، عشرات القتلى من الرجال والعجائز والنساء والأطفال ليس جديدا. هذا الحدث صار النغمة التي اعتادت الآذان على سماعها كل يوم، في جميع أنحاء العالم.
 
الأطفال السوريون، الذين باتوا يبلغون اليوم سبع سنوات، صار قصف الطائرات والمدافع وانهيار بيوت الجيران على رؤوسهم بمثابة صوت المنبّه ساعة الصباح بالنسبة إلي ولك. أما أطفال الجيران، الذين دفنوا أحياء تحت الأنقاض، صاروا رقما لا يقلق أحدا طالما ظل تحت السقف المقبول.
 
هذا المشهد المتكرر لرجل يصرخ ويحمل طفلا تغطي الدماء وجهه بات ضرورة عادية طالما قرر المرء أن يقتطع من وقته دقائق قليلة لمشاهدة الأخبار.
 
من مذبحة سربرنيتسا إلى غزو العراق والحرب السورية والقصف على داعش في الموصل والرقة الذي خلف المئات من القتلى المدنيين، كانت أرقام الضحايا تتحول إلى روتين مهما بلغ حجمها.
 
الناس العاديون في البلدان العربية صاروا خبراء استراتيجيين، وانصب كامل اهتمامهم على الكلام عن تحريك الحدود أو الصفقات السياسية والمفاوضات، في جنيف أو أستانة أو سوتشي أو فيينا، أو تحركات الميليشيات في طول المنطقة وعرضها، وآثار ذلك على مجريات الصراع. لم يعد مصير أقرانهم من السوريين أو العراقيين أو اليمنيين يعنيهم في شيء، بل باتوا أكثر استعدادا لغض الطرف عن بشار الأسد ومنحه الفرصة لإنهاء المهمة!
 
لكن ليس هذه هي المشكلة التي من الممكن أن تحدث فرقا كبيرا. ثقافة العالم العربي قائمة بطبيعتها على السلبية وعدم المبالاة منذ قرون، خصوصا تجاه الإنسان وقيمته وما يمثله.
 
المشكلة الأكبر في الغرب. لا أحد يفهم ماذا حدث بالضبط؟ الناس في أوروبا أو الولايات المتحدة لم يكونوا أبدا مستعدين للصمت والاكتفاء بهز الأكتاف مثلما يبدو اليوم.
 
ثمة تغييرات حادة تحدث في جوهر منظومة القيم الراسخة في الشخصية الغربية منذ قرون. علاقة الموظفين والبقالين وعمال توصيل الطلبات إلى المنازل والمدرسين والسائقين بالتراكم الحضاري الغربي صارت تواجه مشكلة. ثقافة التسامح ودعم قضايا الإنسانية والسلام لم تعد بالنسبة إليهم ثقافة.
 
الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون كان على وشك الإطاحة به عندما تم الكشف عن أنه أقام علاقة جنسية مع مونيكا لوينسكي. اهتزت أميركا بكل مستوياتها السياسية والاجتماعية والإعلامية، وتم تحضير الرأي العام، الذي كان مصدوما ومستعدا بالفعل، لقبول تنحية أحد أهم الرؤساء الأميركيين في العصر الحديث.
 
اليوم لدينا رئيس أميركي يعترف بنفسه أنه يستمتع بملامسة النساء وتقبيلهن رغما عنهن. هذا رئيس لا يجد حرجا مثلا للحديث بصراحة عن أنه دفع آلاف الدولارات لممثلة أفلام إباحية، بالإضافة إلى أن ليس ثمة مؤشر حتى الآن على أنه يملك الحد الأدنى من مقومات كلينتون كرئيس. مع ذلك، لا يبدو نفس هؤلاء السياسيين والصحافيين والنشطاء مهتمين كثيرا بما يجري، وبدأوا يرون الأمر كجزء من حياتهم اليومية عليهم التعامل معه وقبوله.
 
هذا إما يعني أن هؤلاء الأشخاص قرروا التخلي عن مبادئهم، وإما أن أميركا تغيرت للأبد.
 
الأميركيون أنفسهم، ومعهم البريطانيون، كانوا أكثر الناس اعتراضا على خطة جورج بوش الابن وتوني بلير لغزو العراق. الملايين من المتظاهرين غطوا مساحات شاسعة من حديقة هايد بارك في لندن قبيل الغزو، اعتراضا على غياب أي مبررات أخلاقية أو حتى غير أخلاقية له. عام 2003 شهد أكبر تظاهرات يشهدها العالم الغربي منذ نزول الناس للاحتفال بانهيار الاتحاد السوفييتي.
 
أين هؤلاء الآن مما يحدث في الغوطة، وما حدث قبلها في حلب والموصل ودرعا والرقة وتعز؟ ما هذا الصمت الذي صار مجرد التفكير فيه مبعثا على الخوف من الوصول إلى الحقيقة، التي نعرفها جميعا، لكننا نتهرّب من سماعها؟ لماذا لم يعد العالم مهتما بمصائبنا، بل صار يشارك في إخراجها ثم يعيد مشاهدتها كل يوم دون أن يرمش له جفن؟
 
أيام غزو العراق، قرر الناس أن يكون لمشاعرهم وغضبهم صوت مسموع، والوقوف أمام عمل لا إنساني، رغم أنه كان موجها لنظام مستبد يقبع على رأسه دكتاتور دموي. اليوم السوريون هم من يذبحون من قبل نظام مستبد، من دون أي ضجيج يذكر في الغرب، رغم أن هذه المرة القضية أكثر عدلا وواقعية.
 
ماذا تغير خلال عشرة أعوام؟ لماذا كان الناس في أوروبا والولايات المتحدة مستعدين للدفاع عن العراقيين ضد غزو عام 2003، وأصبحوا غير مستعدين لفعل الشيء نفسه مع السوريين بعد احتدام الصراع عام 2013؟ إلى جانب تغير قيمه، يبدو الغرب غارقا في همومه. يقول صديقي السياسي البريطاني، الذي كان قائدا للقوات البريطانية في البصرة إبان غزو العراق، إن “بريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) حول بريطانيا إلى بلد غير مستقر، وكأنه أحد بلدان الشرق الأوسط، لكن دون دماء”.
 
بريكست ليست قضية محلية تقتصر على بريطانيا فقط، لكنها قضية عالمية في دوافعها ومسبباتها الرئيسية. انسحاب بريطانيا من أوروبا لم يكن ليحدث لو لم يكن اليمينيون المتطرفون والتيارات التي تضم في صفوفها كل العنصريين والمتعصبين وغيرهم ممن يعادون الهجرة قد تقدموا للسيطرة على المشهد السياسي في أوروبا بشكل عام. انتخاب ترامب نفسه تحول ستتناوله المناهج الدراسية لاحقا باعتباره خطأ تاريخيا ستحتاج الولايات المتحدة لسنوات طويلة كي تتدارك عواقبه.
 
ثمة حالة ركود عميقة في الاقتصاد العالمي أيضا، أثرت على المواطن الغربي بشكل مباشر، رغم أننا نعيش عصر الوفرة في كل شيء. الناس العاديون ليسوا مستعدين للاهتمام بشيء آخر إلى جانب مشاكلهم اليومية، حتى لو كان الأمر متعلقا بذبح الأبرياء كما يحدث اليوم في الغوطة.
 
لم يكن جوناثان غرينلاند موفقا عندما قال، في مقال مهمّ عن مذبحة الغوطة نشرته صحيفة “الغارديان”، إن “أحد نتائج الغزو الكارثي للعراق عام 2003 في الغرب هو تشويه فكرة التدخل العسكري لإنقاذ حياة الأبرياء ووقف المذابح. بغياب الحوار المجتمعي حول هذا التدخل الضروري، يصمت الناس تدريجيا ويتوقفون عن الحديث عن المذابح نفسها، وكأن شيئا لا يحصل”.
 
حاول غرينلاند أن يقدم منطقا في معالجة آثار الغزو بالمزيد من الغزو، أو بمعنى آخر حاول الحديث عن منطق لكنه ظهر وكأنه أيضا يحتاج إلى منطق.
 
المشكلة هنا هي أن التدخل العسكري عادة ما يقترن بمصلحة، بغض النظر عن عدالة القضية. لا شيء يسمّى تدخلا إنسانيا. التدخل يصبح إنسانيا فقط لو صادف حدوث المذبحة في مكان يملك الغرب فيه مصالح كبرى. لهذا السبب وغيره، لم يصمت الغرب فقط عن قصف الغوطة والأزمة الإنسانية الناتجة عنه، بل مازال يمنح الأسد الوقت لإنهاء المهمة.
 
أيها السوريون، لن يأتي أحد لإنقاذكم. لا تعولوا كثيرا على ذلك، أو لعل طول الأزمة وكثرة المذابح وقسوتها علمتكم عدم التعويل إلا على أنفسكم.