الفاضل...... مدير الامن العام - د. تغريد أبو سرحان

 الفاضل...... مدير الامن العام - د. تغريد أبو سرحان
في أواخر العام 1997 جاءنا المقدم آنذاك فاضل الحمود مديرا لقسم حماية الاسرة بعدما كان رئيسا لمركز أمن الشميساني الذي نشاطره المكان في ذلك الوقت، وكعادة الشرطة رحنا نسأل عن المدير الجديد بمجرد صدور الكتاب الرسمي الذي يعلن توليه مهامه، مش راح تلاقوا وقت تحكوا روسكوا أول العبارات التي أخذت لاحقا عنوان المرحلة القادمة مع المدير الجديد، و بالفعل ما ان صدر الكتاب و تحرك المدير الجديد لحماية الاسرة الا و قد فارقنا كل وقت فراغ، أقسم بالله انني كنت أتمنى ان تزيد ساعات الدوام الرسمي ساعة حتى أنهي المهام الموكلة الي من قبل عطوفته.
 و هذا لم يكن حالي وحدي فكل من بالقسم بات شعلة متيقظة من العمل، كنا على أهبة الاستعداد الدائم و كأننا في حالة تفتيش اداري مستمر، و عندما يغادر المدير فاضل لاجتماع كان ذاك هو الوقت الوحيد الذي نلتقط فيه انفاسنا، و بمجرد عودته و حيث يلمح الغفير سيارته مقبلة من اول الشارع المؤدي الى بوابة حماية الاسرة الا و يبدأ السائق بالاتصال على رؤساء الأقسام يشعرهم بعودته، فالمدير فاضل يقدر الوقت عاليا و يثمنه و لا يرضيه ان تضيع الدقائق في الكلام او اللهو او قراءة الصحف او تبادل الزيارات المكتبية، كان كل منا في مكتبه لا يغادره قط حتى ننجز أعمالنا الكثيرة التي لا ندري من اين يخلقها لنا المدير، كل على رأس عمله لان المدير فاضل قد يقوم بجولة او جولتين بين المكاتب يوميا دون سابق انذار، فهو يتذكر كل ورقة و كل مهمة طلب منك ان تنجزها يذكر تاريخ الكتاب و رقمه و لمن كان موجها، لا مجال للحيلة او الغلط او الاعذار، أذكر انني اعدت طباعة احد الكتب مرات و مرات و اخرها أني لم اضع فاصلة بين جملتين، و كنت اسأل نفسي كيف تقع عينا هذا المدير على الخطأ مباشرة ؟!   هكذا تعلمنا لأنه لم يكن يسمح للخطأ مهما كان صغيرا ان يجد مكانه في عملنا، و اذا صار فاضل الحمود مديرك فاعلم انه لن يرضيه في العمل الا الكمال او الكمال، كان يحرص على النهج الشمولي في العمل و دقة المهمات و اتقانها، فلا قضايا مجهولة و لا أخطاء في الافادات و لا مراجعون يتذمرون و لا مكاتب الا و تشع نظافة لا زلت اذكر كيف كان يتلمس إطارات الصور المعلقة على الجدران فاذا نادى بصوته المجلجل دعبل نعرف ان اصبع المدير لامسته غبرة من على الاطار و يريد ان يري المراسل تقصيره في عمله، فالمخطئ  يواجه بخطئه مباشرة دون مجاملة و دون مواراة حتى لو كان اقربهم له. 
 
كان فاضل باشا اول الواصلين للمكتب يوميا و ترى التعليقات تتناثر هنا و هناك هل بات المدير في المكتب و لكن المناوبون يعلمون انه صلى فجره و تناول افطاره و توجه للمكتب، عملت بمعيته تسع سنوات ما تأخر يوما عن السابعة صباحا او قبلها بقليل الا اذا كان بمهمة عمل أخرى، ثم يعود مساء للمكتب يتفقد المناوبين في الإدارة و يقف على احتياجاتهم، يقوم بجولته المسائية في الإدارة يدخل مكتبه ينجز بعض الاعمال و يوجه الاخرين لأعمالهم و يطمئن ان الأمور كما يجب ان تكون عليه و كما ترضي مديرا دقيقا منظما منجزا مثله و يغادر مطمئنا.
المدير فاضل لم يكن مديرا فقط بل كان قائدا بكل ما تحمله هذه الكلمة من تفاصيل، لم ينسب يوما إنجازا لنفسه بل يكن يكرر على مسامعنا يوميا في طوابير الصباح و في الاجتماعات و في جولاته للمكاتب ان ما وصلت اليه الإدارة هو جهود الجميع من المراسل و لغاية اكبرنا رتبة، و هكذا كان هو يكبر و جميع من حوله يكبرون معه، لا يحتكر معلومة و لا سفرة و لا يتكسب من عمله، و لا يرضى الا بالنجاح و التميز لمن هم بأمرته و هذه ميزات القائد الذي يرى نجاحه من نجاح كادره، اذكر جميع الزملاء و الزميلات الذي عاصروه و تتلمذوا على يديه هم الان متميزون و متفوقون على اقرانهم في كل الأماكن التي خدموا فيها، اذكر انني قابلت زميلة من المتميزات في حماية الاسرة سنوات بعد مغادرة فاضل باشا الى موقع اخر، و عندما رأيت ما رأيت من دقتها في العمل سألتها هل خدمتي مع فاضل باشا؟ أجابتني على الفور وقد فهمت ما أعنيه:  تتلمذت على ايدي من تتلمذوا على يدي فاضل باشا؟. 
وانت تعمل مع فاضل الحمود لا يفارقك إحساس ضرورة الإخلاص بعملك لنيل رضا ربك أولا ثم المسؤولية الاخلاقية تجاه عملك ووطنك، فهذا دوما شعاره، تشعر وهو يلومك على تقصير، والتقصير في قاموسه أي شيء دون التميز، تشعر انه الأخ الكبير والوالد الحازم الذي يؤنبك وفي صدره غيرة وحبا، حازما صلبا غير متساهل ولكنه بظهرك ان تعرضت لأي خطر خارجي، فاضل الحمود يحمي من يعمل معه ما دام على حق ويؤمن جيدا ان الأمان العائلي والشخصي والاستقرار المهني عنوان ذكي لإنجاز أفضل للعاملين بمعيته.
يشهد الله أنه لا ناقة لي ولا جمل عند هذا الرجل حتى أقول فيه ما قلت، فأنا اليوم والحمد لله بأحسن حال وخير نعمة بفضل الله تعالى، ثم بفضل المسيرة التي حثنا الباشا عليها دوما، ولكن كلمة حق وشهادة أخت وتلميذة خدمت سنين طوال بإمرة فاضل الحمود وانا اعرف ان اللقب لا يعنيه كثيرا واعرف جيدا ان فرحته بارتداء البزة العسكرية مرة أخرى تعادل الدنيا وما فيها، فاضل الحمود مدرسة لي الشرف ان اذكر مرارا و تكرار انني تخرجت منها و لا زلت أتابع إنجازاته في كل المواقع التي عمل بها و ترك فيها بصمات لا تنسى بشهادة الحاسد و الناقد و المحب، فاضل الحمود لم نتعلم منه التحقيق و العمل الشرطي و التدريب و البحوث و الدراسات واللغة الإنجليزية و الإدارة و الامن وحسب، بل تعلمنا أيضا كيف نحب وطننا بحق و كيف نطبق هذا الحب فعلا لا شعارات، فاضل الحمود الذي سألني يوما عن عنوان الحالة التي اديرها و عندما قلت  الجاردنز استشاط  قهرا و اعطاني اوراقي لاعدل جريمتي و اصحح العنوان  يا أبوي اسمه شارع وصفي التل مش الجاردنز، وفقك الله سيدي و اعانك على حمل مسؤولياتك الجدد و رزقك بالبطانة الصالحة التي تعينك لفعل ما هو في مصلحة الناس و الوطن و انت لها بإذن الله تعالى.
 
 
* جامعة الامارات العربية المتحدة / العين

أكثر الأخبار قراءة