لماذا زار محمد بن سلمان الكنيسة؟ - ممدوح المهيني

لماذا زار محمد بن سلمان الكنيسة؟ - ممدوح المهيني

 التسامح الديني هو العلاج القديم الجديد ضد الكراهية، والحل الوحيد لكي تتعايش وتتعاون المذاهب والطوائف داخل الوطن الواحد بدل أن تمزقه بالتناحر. ورغم هذه الحقيقة البسيطة وكثرة المطالبات التي وصلت لحد الاستجداء من وعّاظ ورجال دين لتقديم خطاب ديني أكثر اعتدالاً واتساقاً مع الواقع والحياة المعاصرة فإن المحصلة كانت - غالباً - مخيبة للتوقعات.

 
المناشدات بتعزيز روح وقيم التسامح لم تحقق أيَّ نتائج إيجابية، وبالعكس شهدت العقود الأخيرة تصاعد نبرة المتطرفين، وأصبح المعتدلون يتملقونهم خشية غضبهم. كلما زادت المطالبات بالاعتدال توحش أكثر سلوك المتشددين. لا يمضي وقت طويل على فتوى تكفيرية حتى تعقبها فتوى أخرى أكثر دموية. في تقديري هناك تفسيرات منطقية لكل هذه النتائج العكسية.
 
من غير المجدي أن تطلب الاعتدال من شخصيات تنتمي لخطاب متزمت بطبيعته، لأنه حتى وإن أعلنت عن فتاوى معتدلة في بعض الأوقات فإنها ستعود بسرعة لذات الخطاب الأصلي. وقد شهدنا حالات على هذه الطريقة، حيث نرى واعظاً يفتي بجواز الموسيقى ومن ثم يتمنى بعدها رجم الليبراليين لو كان الأمر بيده. في مثل هذه الحالة المستفيد فقط هو الواعظ المتشدد نفسه، الذي منح المكانة والقوة وقدم فتاوى بديهية سيعدل عنها بعد فترة، ولم تمسّ أساسيات الخطاب المتطرف الذي يستمر في الانتعاش والتوسع.
 
والأمر الآخر أن عدم تزحزح الخطاب المتطرف خطوة واحدة، رغم كل المطالبات يعود لأسباب اجتماعية واقتصادية. إذا كان هو الخطاب المُتسيِّد في المجتمعات العربية فإنه سيفرز شخصيات أكثر تنتمي له تحظى بالمكانة الاجتماعية والدخل المالي المرتفع من التبرعات أو البرامج. وهذا ربما يفسر هذا الكمَّ الكبير من المتطرفين الذين لا تتوقف الماكينة عن إنتاجهم، حيث يتحولون بسرعة إلى أسماء لامعة يحظون بالحب والاحترام من الناس زائدا عليهما الأموال والنجومية. ويتمتع هؤلاء بالذكاء الفطري الباحث عن المصلحة الذاتية بالدرجة الأولى، ولهذا سيبيعون للناس البضاعة المطلوبة، وليس تلك المطبوع عليها أختام الاعتدال والإصلاح والتسامح.
 
الخطابات والمطالبات لم تنجح وشهدنا الأسوأ بعد ذلك، حيث مناظر الدماء والجثث الممزقة بعد العمليات الإرهابية، ورفع تنظيم داعش المستوى إلى مشاهد الحرق المروعة والإغراق داخل الأقفاص.
 
الخطأ في كل هذه الدوامة التي دخلنا فيها هو أننا طلبنا الإصلاح من الشخصيات الخطأ، ونسينا أن الزعامات الكبيرة والشخصيات التاريخية هي القادرة - فعلاً - على تغيير المعادلة وإحداث تغييرات إصلاحية كبيرة على مستوى الاقتصاد والسياسة وكذلك في الأفكار، وكيف ينظر المجتمع لنفسه وللعالم من حوله.
 
رأينا ذلك في التاريخ الإسلامي عندما غيَّرت رؤية وأفكار المأمون المضيئة التاريخ، وساهمت بصناعة حضارة قوية رادت بالعلم وصهرت الثقافات والأفكار. وعلى المستوى الأوروبي لا يزال يُذكر ملك بروسيا، فريدرك العظيم، الذي حمى المفكرين وبسببه انتشرت أفكارُهم وساهمت بعد ذلك بالصعود الحضاري الأوروبي. شخصيات سياسية كبيرة قامت بمثل هذه الأدوار وغيَّرت بعدها مسار التاريخ.
 
في زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، للكنيسة المرقسية والحديث الذي دار بينه وبين البابا تواضروس واحدة من هذه اللحظات التاريخية الهادفة لإنقاذ المنطقة كلها من مأزق التطرف والإرهاب الذي علقنا به أفراداً ومجتمعات وحكومات.
 
دخول ولي العهد الكنيسة يمثل أكبر رسالة لدعم فكر الاعتدال والتسامح الديني ونبذ الفكر المتشدد، ومن هنا - فعلاً - يحدث التغيير الحقيقي الذي بدوره سيفرز شخصياتٍ دينيةً أكثر اعتدلاً وتسامحاً تستجيب لهذه التحولات الكبيرة.
 
وبالفعل بسبب القرارات الإصلاحية تشهد السعودية انفتاحاً فكرياً، وبرزت أصوات أكثر اعتدالاً وانسجاماً مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي غابت فيه أصوات المتطرفين المشاهير، الذين كانوا إلى وقت قريب نجوم الساحة ومواقع التواصل. اختفوا سريعاً من الذاكرة واحترفوا مهنة الإعلانات والعلاقات العامة.
 
زيارة الأمير محمد بن سلمان للكنيسة خطوة شجاعة، تحمل رسالة واضحة وقوية، وتتجاوز حدود السعودية ومصر لأنها لكل البلدان العربية والإسلامية، التي تعاني من شرور المتشددين وتحبط مخططات الإرهابيين كل يوم. الداء هو التطرف وعلاجه بترسيخ فكر الاعتدال والتسامح الديني، الذي سيمنح الفرصة المناسبة للمجتمعات لتتخلص من سموم الكراهية الطائفية التي تمزقها وتفتك بأولادها وتتفرغ للاقتصاد وتحسين مستوى حياتها، وبالتالي النهوض بمجتمعاتها ومشاركة البشرية بناء المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية مشروع نيوم، فهو أكثر من مشروع اقتصادي لأنه علامة رمزية على الرغبة بالخروج من الماضي والدخول إلى المستقبل.
 
القضاء على خطاب الكراهية والتعصب مهمة كبيرة ونبيلة لا تقوم بها إلا شخصيات تاريخية واستثنائية، اختارت أن تتخذ خطوات شجاعة غير متوقعة، تتحمل من أجلها الهجوم والأذى من أجل أن تساعد الملايين في بناء مستقبل واعد وحياة سعيدة لم يكن سيحصلون عليها وضباع التطرف تحاصرهم.