عن الانتخابات الديمقراطية ومرض الشعبوية - سعيد ناشيد

عن الانتخابات الديمقراطية ومرض الشعبوية - سعيد ناشيد

 الانتصار الذي حقّقه اليمين الشعبوي والفاشي المعروف بمعاداته للنظام ومعاداته للاتحاد الأوروبي، في الانتخابات الأخيرة بإيطاليا، يكشف لنا مرة أخرى عن معطى بالغ الأهمية، وهو أن الديمقراطية الحديثة لا تزال إلى حدود الساعة قاصرة عن حماية نفسها من المخاطر النابعة من داخلها، وعلى رأسها خطر الشعبوية.

 
منذ نهاية الحرب العالمية إلى الآن، ورغم كل الإصلاحات الهيكلية وتدابير الصيانة التي أجرتها لأجل مواصلة التحليق بأمان، لا تزال الديمقراطية لم تتخط بعد منطقة الاضطراب الجوي. لا تزال الديمقراطية الحديثة لم تنج بعد من عواصف الشعبوية التي تهب بين الفينة والأخرى، وتوشك على تدمير إرث التنوير في بعض الأحيان.
 
فلا تـزال أشباح هتلر وموسوليني تطل برؤوسها المـروعة، كما لو أن الشعبوية مرض مزمن وملازم للديمقراطية، لا انفكاك منه ولا خلاص. ينطبق هذا الأمر على المجتمعات الحديثة التي تحلق فيها الديمقراطية عاليا في أجواء السماء، لكنه بكل تأكيد أكثر انطباقا على المجتمعات التقليدية حيث لا تزال الديمقراطية في طور محاولة الإقلاع.
 
ما يعني أن الديمقراطية ليست وصفة سحرية في آخر المطاف، لكنها لا تعدو أن تكون أكثر من رحلة اضطراريّة في غياب بدائل أكثر ضمانا للسلامة. ليست الديمقراطية خيارا جيدا لكنها تبقى الخيار الأقل سوءا. هكذا، فنحن لا نحتاج إلى رفع شعار “الديمقراطية هي الحل”، كما يردد البعض، بل نحتاج إلى الكثير من الجهد والقليل من الحماس.
 
غير أن الأمل الباقي أمام دولة المؤسسات هو قابلية الديمقراطية للتطوير الدائم في مستوى التفاصيل التنظيمية والتشريعية والإدارية، فضلا عن الإصرار البروميثيوسي الذي يطبع الحضارة المعاصرة في تحديها للأزمات وعدم استعدادها للتوقف عند منتصف الطريق.
 
 بل قالها غاستون باشلار ذات مرة في سياق مختلف: تاريخ تطور العلم هو تاريخ أزمات العلم. وهو ما يصدق على الحياة السياسية أيضا، وعلى الديمقراطية على وجه التحديد. بوسعنا أن نقول بكثير من الاطمئنان: تاريخ الديمقراطية هو تاريخ أزمات الديمقراطية.
 
في كل الأحوال تتمتع الديمقراطية بنوع من القابلية للمراجعة والنقد والتطور، بدءا من التقطيع الانتخابي وانتهاء ببنود الدستور. بمعنى أن الآليات الديمقراطية تحتاج بالضرورة إلى الخضوع للمراجعة والنقد بنحو دوري ودائم، لكن علينا في المقابل أن نوضح ما قلناه مرارا: النقد لا يعني التقويض، بل النقد هو الدافع الفعلي نحو التطور.
 
 مثلا، لم تتطور الحداثة خارج النقد الذي وجهته الحداثة لنفسها، كما لم تتطور العقلانية خارج النقد العقلاني للعقلانية، وهكذا. يصدق نفس الشيء على الديمقراطية. لقد تطورت الديمقراطية نفسها من البعد التمثيلي إلى البعد التشاركي بفعل النقد الذاتي المتواصل الذي وجهته الديمقراطية لنفسها.
 
بكل تأكيد تبقى الديمقراطية أفضل النّظم الممكنة والمتاحة إلى حد الساعة، غير أن هذا لا يمنع من الاعتراف بوجود هشاشة أصلية تجعل الديمقراطية قابلة للانقلاب على نفسها بنفسها، وإلاّ فكيف نفسر أنّ الآلية الديمقراطية لم تسعف الكثير من المجتمعات الغربية في تفادي الصعود الانتخابي لليمين الشعبوي أو اليمين الفاشي، مثلما حدث مؤخرا في الانتخابات التشريعية الإيطالية؟
 
ما يقوله هابرماس عن الحداثة من أنها مشروع لم يكتمل بعد، يصدق أيضا على الديمقراطية، والتي تبدو كأنها بدورها صيرورة لا تزال في بدايتها، ولم تتشكل ملامحها النهائية بعد، ومن ثمة ستحتاج دائما إلى تدابير دورية للفحص وإجراءات متواصلة للصيانة.
 
لكن، لدينا سؤال حاسم ودقيق: هل الديمقراطية قادرة على احتواء خصومها كما يراهن البعض؟ بكل تأكيد ليس السؤال مجرد مسألة إسلامية أو شرقية، لكنه سؤال كوني يرتبط بالهشاشة الأصلية للديمقراطية نفسها، غير أن الأمر عندنا في العالم الإسلامي أشدّ تعقيدا لثلاثة أسباب:
 
السبب الأول يتعلق بالوضعية الإشكالية للحركات الشعبوية-الدينية والتي قد تحملها نتائج الانتخابات إلى احتكار كل شيء، في وقت لم تترسخ فيه ثقافة المؤسسات والقوانين والسلوك المدني، بل كثيرون من يجعلون الفتاوى والحيل الفقهية فرصة للإفلات من القانون!
 
السبب الثاني يكمن في أن نفس التيار الديني الذي قد يَضطهد الناس حين يكون حاكما وينفرد بالحكم (سودان انقلابات النميري- الترابي- البشير) هو نفسه قد يتعرض للاضطهاد حين يصبح محكوما ويكتفي بالمعارضة (مذبحة حماة مثلا).
 
والسبب الثالث يكمن في أن المزاج الشعبي لا يرحب بالنقد الموجه ضدّ الحركات الدينية؛ فإنه يرى في ذلك النقد مغالبة للأمر، ومكابرة للحق، وإنكارا للمعلوم. وليس أمامنا غير الطاعة والولاء، مع هامش ضئيل للنصح الذي يختص به “أهل النصح” حصرا.
 
الحقيقة الغائبة عنا أن الديمقراطية تحتاج إلى نقد ذاتي شفاف ومفتوح ومتواصل. والنقد الذاتي كما لا يخفى هو أداة التقويم الذاتي في كل المسائل والأمور، لأن من لا يستطيع تقويم نفسه بنفسه لا يمكن تقويمه من الخارج.
 
كما أن النقد لا يكون فعالا إلا إذا كان نابعا من الداخل. أما الرهان على تعطيل ملكة النقد بدعوى المحافظة، أو بدعوى أن “ليس بالإمكان أفضل مما كان”، فهو لا يعني سوى شيء واحد: التعويل على الغرائز البدائية للقطعان الآدمية. وهنا بالذات يكمن رهان الأصوليات والشموليات.
 
وإذا كان أفلاطون يَعتبر السياسة عن حق وظيفة النفس العاقلة، فلعل تهييج الانفعالات السلبية للجموع يمثل أكبر تحد غريزي أمام قيم التمدن، كما ترى رجاء بن سلامة في كتابها المميز “نقد إنسان الجموع”، لكن هل يعني ذلك الأمر التضحية بالخيار الديمقراطي كما يرى العفيف الأخضر، وذلك من أجل حداثة فوقية قد تأتي وقد لا تأتي، وقد تأتي بسرعة وتنهار بسرعة طالما يعوزها الأساس المجتمعي؟
 
في كل الأحوال، لا دولة ديمقراطية دون مجتمع ديمقراطي. وفي رواية أخرى “كما تكونون يولّ عليكم”. كل هذا الكلام صحيح من وجهة نظر التجربة، لكن، حتى في المجتمعات الديمقراطية قد تكون الدولة الديمقراطية عرضة لمخاطر الانهيار جراء الهزات الشعبوية المتكررة. وهذا ما يعني بأن البناء الديمقراطي سيحتاج إلى جهد دائم لأجل الصيانة والإصلاح والترميم وحتى إعادة البناء إن اقتضى الأمر.
 
عقب نهاية الحرب العالمية الثانية أعاد الألمان بناء الديمقراطية من نقطة الصفر. لم يستسلموا لنظرية المؤامرة كما تفعل الشعوب المهزومة نفسيا.
 
لم يلجأوا إلى تهييج الانفعالات السلبية والغرائز البدائية وتهديد “الأعداء المنتصرين” بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل ركزوا مباشرة على الهدف: إعادة بناء الديمقراطية من جديد وبجودة أعلى هذه المرة. وإلى اليوم لا تزال النخبة الألمانية تكافح لأجل حماية الديمقراطية من أشباح النازية، والتي لا تزال تطل برؤوسها بين الفينة والأخرى.
 
إنه القدر البروميثيوسي الذي يميز الحضارة المعاصرة في آخر التحليل. ذلك أن الأزمة مهما بلغت شدّتها فهي لا تعني التوقف، إلا بالنسبة للإنسان العاجز سلفا، بل تظل الأزمة في الواقع العلمي فرصة سانحة للتطور. والانهيار نفسه مهما بلغت حدّته فهو لا يعني النهاية، إلا بالنسبة للإنسان الفاشل مسبقا، بل يظل الانهيار في الواقع العملي فرصة سانحة لإعادة البناء.
 
لا شك أننا بدورنا نحتاج إلى شيء من القدر البروميثيوسي. وربما هنا مربط الفرس.