الانقلاب على فتاوى التشدد - حسناء القنيعير

الانقلاب على فتاوى التشدد - حسناء القنيعير

 صدرت في الأيام الماضية فتاوى وآراء تصحيحية لما كان سائداً في بلادنا من فتاوى حرمت كثيراً من المباحات تحت وطأة فكر الصحوة الذي هيمن على بلادنا طوال أربعين عاماً، وقد حظيت المرأة بالنصيب الأكبر من تلك الفتاوى والآراء المتشددة.

 
ومما يلفت النظر أن هذا التصحيح أو التبرؤ –إن جاز لي التعبير– جاء متأخراً جداً، ما جعلنا نتساءل ونحن تحت وطأة الدهشة: أين كنتم قبل الآن؟ لماذا دوماً تنتظرون القرار الرسمي لتعلنوا تراجعكم أو موافقتكم؟ إن صمتكم طوال تلك السنين لا يعدو أن يكون واحداً من ثلاثة، إما تعاطفاً مع الفكر المتشدد، وإما خوفاً من المتشددين وممالأتهم، وإما عدم الاهتمام بما يشكله التطرف من خطر على أمن الوطن، وتعطيل مسيرة التنمية! علماً أن حزب الصمت أدمن هذا الأسلوب، حيث ظلوا يرقبون الأحداث ليعلنوا تأييدهم فيما بعد، فبقوا دوماً خارج الحدث، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، في انتظار قرار رسمي ليسارعوا بعد ذلك إلى تأييده! ينطبق هذا على موقفهم من كل القضايا التي أُقرت هذا العام وفي مقدمتها قيادة المرأة للسيارة!
 
إنّ ما شاع بيننا من أفكار متشددة لا يمثل حقيقة الدين الصحيح الذي توارت بعض أصوله تحت وطأة الانفعالات والتشبع بأفكار الإخوان المفلسين، فلقد كان كثير من فتاوى التشدد تتعلق بمسائل جزئية لا تدخل في صميم الأصول والكليات، بقدر ما تنبع في أساسها من الجزئيات القابلة للاجتهاد، التي يأتي على رأسها المظهر الخارجي للرجل والمرأة، حتى تحولت تلك الشكلانية المظهرية إلى مبالغات تحكم على التدين من عدمه، بل صارت معياراً لتقييم الناس، وتقديم من يوحي ظاهره بالتدين على من كان ظاهره لا يوحي بذلك، ما أدى إلى انتشار النفاق والكذب للحصول على ميزات قد يحرمون منها لولا ذلك المظهر، حتى انتقل ذلك المسلك إلى الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية.
 
لم يحاول أحد ممن يوصفون بالاعتدال تصحيح الاعوجاج الفكري الذي طغى على ما سواه في بلادنا، فصمتوا عن تجاوزاته بما يشبه المهادنة الفكرية له. فقد استغرق أفراد المجتمع ذلك الجو المشحون بالأفكار المتزمتة والرؤى الضيقة، وما صاحبه من شكوك وريب وتخوين وتخويف فأسلموا طائعين، وأصبحوا دون أن يعوا شهود زور على كل ما لابس ذلك من تهديم وتخريب للبنى الفكرية والثقافية والتعليمية للمجتمع، وعقوق وجحود للوطن، وذهبوا في نوم عميق كنوم أصحاب الكهف، ولم يفيقوا من ثقافة السنوات العجاف إلا على صوت الإرهاب الذي كان يسري في جسد الوطن مسرى النار في الهشيم، فلم يتوجسوا حينها، ذلك أن المجتمع بما جبل عليه من تدين كان وما زال يحسن الظن بكل من اتخذ الإسلام مطية يمتطيها لتحقيق أهدافه أيّا كان نوعها!
 
وقد تمثل ذلك الاعوجاج في كونه نتاج رؤية فصامية أجهضت المشروع الأخلاقي للإسلام لصالح فكر قمعي سلطوي، ولهذا فقد كانت مسألة التحريم -وما زالت- من أسهل الأمور التي يطلقها بعضهم على كل ما يعتقد أنه حرام، ثم يتعسف في إيراد ما شاء من أدلة ليعزز حرمة ما قال بحرمته في أمور تخص النساء، كالملابس والزينة والخروج من المنزل والعمل، فقد بلغت الجرأة في التحريم حدّ تجاهل قاعدة أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الله حرّم التحليل والتحريم لأنهما افتراء عليه بالكذب: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إنّ الذين يفترون على الله الكذب لا يُفلحون)!
 
لقد تصدرت قضايا المرأة قائمة المحرمات في بلادنا، بدءاً بعباءتها، شكلاً ومضموناً، حيث جرى تحريم لبسها على الكتفين، وغالوا في ذلك التحريم حتى جعلوه تشبها بالرجال، ولا أدري كيف جاؤوا بهذا القياس الغريب، وشنوا غزوات مباركة على محلات بيع العباءات فصادروا كل العباءات المخالفة في نظرهم، حتى صارت تباع خفية كأي سلعة محرمة، كما نشروا أقوالاً مشينة في غاية البذاءة والبهتان، في حق من تلبس تلك العباءة، كذلك في حق ربّ الأسرة الذي يسمح لنسائه بلبسها، وقد بلغت الجرأة ببعض مديرات المدارس منع الطالبات من دخول المدرسة في حال لبسن تلك العباءة! لقد انحرفت النظرة في بلادنا إلى المرأة، فاتجهت اتجاهاً مغايراً لما فرضه الدين، وذلك عندما تجاهلوا الاختلاف الكبير بين العبادات والتكاليف الشرعية التي وردت فيها أحكام قطعية الثبوت، والتكاليف التي لم ترد فيها أحكام قطعية مما يتعلق بالسلوك والمعاملات والمظهر العام، فعدوها مسائل اعتقادية يقينية لا مسائل خلافية كعدم تغطية الوجه، ولبس العباءة على الكتفين.
 
أما إسعاف النساء من قبل الرجال فقد كان من أكبر المحرمات، وبسببه توفي عدد من الفتيات كما في حريق مدرسة مكة، وبعض من طالبات الجامعات والكليات بسبب عدم السماح لرجال الإسعاف بدخول المحميات النسائية، أو التأخر في إصدار قرار الموافقة لتلقى الطالبة حتفها. هذا الأسبوع يصدر قرار من رئيس هيئة الأمر بالمعروف ينص على «أن نقل وإسعاف الأجانب أو غير المحارم للنساء واجب إذا لم يكن عندهن وقت الحادث من ينقذهن غيرهم.. الضرورات تبيح المحظورات».
 
ختاماً؛ تتصف البنى الذهنية بالثبات لكنّ بعضها سرعان ما يتحول عندما تتوفر الظروف التي تساعد على التغيير، تبعاً لتغير المحددات الثقافية في المجتمع، وفرض الأمر الواقع الذي تستدعيه المستجدات، فلقد ظل بعض المتشددين يرفضون قيادة المرأة للسيارة وجعلوا ذلك مخالفة دينية عجزوا عن الإتيان بدليل واحد من القرآن أو السنة يعزز تحريمهم، وعندما أقرّت القيادة سارع بعضهم إلى مباركتها بعد تحريم ومعارضة.
 
*نقلاً عن "الرياض"