غاز المتوسط والحل النهائي و سيناريو تَحَوُّل مصر لمركزٍ إقليميٍ للطاقةِ

غاز المتوسط والحل النهائي و سيناريو تَحَوُّل مصر لمركزٍ إقليميٍ للطاقةِ
الكاتب : د. حسين البناء

لعقودٍ من الزمن، كانت النُّبوءات تَقولُ بحتمية اندلاع حرب على المياه مابين دول منطقة الشرق الأوسط الذي يشكو من مناخ جافٍ نسبيًا و معضلة اختلاف دول المنابع المائية عن دول المَصَب، لكن يبدو أنّ غاز البحر الأبيض المتوسط سوف يستولد صراعًا آخر على موردٍ تقليديٍ للطاقة هو العاز، ولعلّ معظم دول المنطقة ستنخرط في ذلك الصراع، بدءًا بتركيا فإسرائيل فمصر فاليونان فسوريا وقبرص كذلك.

 
يَصعُب علينا في الشرق الأوسط فصل الملفين السياسي عن الاقتصادي، وخاصةً عندما تكون إسرائيل طرفًا في القضية، فلطالما تعارضت براغماتية الاقتصاد مع أدلجة السياسة، ومن هنا ستكون بداية الاستشراف لسيناريوهات مُحتمَلة  لتحوُّل مِصْرَ لمركزٍ إقليميٍ للطاقة.
 
 قد يكون من الصعب القولُ بأنَّ مصر وبعد توقيعها (اتفاقية استيراد الغاز الإسرائيلي) قد أصبحت دولةً مستوردةً للغاز عوضًا عن كونها دولة مصدرةً ولفترةٍ ليست بالقريبة، حيث أَن الاتفاقية الأخيرة - ما بين شركة (دولفينوس)المصرية من جهة كشركة خاصة و (شركة ديليك للحفر) الإسرائيلية والتي تقوم باستخراج الغاز من حَقْلَيْ (تمار و لوثيان) الإسرائيليين في البحر المتوسط – ما هي إلا في ضمن إطار تعزيز موقع مصر كمركز للطاقة والغاز في المنطقة وربما على مستوى العالم، ولقد جرى التأكيد بأن تلك الاتفاقية هي تحت مضلة التشريعات المنظمة لأعمال الاستخراج والاستيراد الحكومية المصرية، ويقوم بتنفيذها قطاع خاص محليّ وعالميّ.
 
 قد تتحوّل مصر بذلك من دولةٍ مصدرةٍ للغاز إلى دولةٍ محوريةٍ في المنطقة كمركز للطاقة والاتجار بالغاز في ظل انتعاش وسباق إقليمي على استخراج الغاز من البحر الأبيض المتوسط والذي باتت تتنافس عليه بشكل محموم كلٌ من مصر وقبرص وتركيا وإسرائيل بشكلٍ واضحٍ مؤخرًا.
 
الحاجة المصرية للاستهلاك المحلي حاليًا تقارب ( 7 مليار قدم مكعب) يوميًا في حين بلغ الإنتاج ( 5 مليارات قدم مكعب) يوميًا مع بداية عام 2018 الأمر الذي يُعني بأنَّ ثمة فجوة تقارب ( 2 مليار قدم مكعب) يوميًا  بحاجة إلى إشباع، ويتم العمل على توفير الحاجات من تطوير الآبار الحالية و اكتشاف آبار جديدة بالإضافة إلى لعب دور تجاري قائم على الاستيراد وإعادة التصدير والتصنيع والنقل بين مختلف أطراف العملية في المنطقة وخاصةً الشركات العاملة في حقول دلتا النيل  وآبار البحر المتوسط.
 
تُشير التقديرات بأنَّه وفي حال تم تطوير حقل (ظهر) المصري فإنّ إنتاجه سيبلغ ( 2.7 مليار قدم مكعب) يوميًا في عام 2019 ، وسيكون أحد أكبر حقول الغاز المُزوِّدة للسوق المحلي المصري، وبالإضافة للمصادر الأخرى للغاز فإنه يُتوقع أن تكتفي مصر من حاجتها للغاز مع العام 2019، لا بل يُؤمَّل أن تتحول مصر إلى أكبر مُصَدِّري الغاز أيضًا لكل من الأردن وفلسطين وإسرائيل وغيرها من الأسواق التي تجد ذلك ذا جدوى اقتصادية.
 
إذا تمَّ تناول القضية ببعدها الاقتصادي المُجرَّد، فإنّ كلاً من إسرائيل ومصر سوف تستفيدان من الاتفاقية، فمصر ستعزّز مكانتها في سوق الطاقة، وتحصل على غاز بسعرٍ معقولٍ ومنافسٍ نظرًا لقرب المسافة الجغرافية واحتمالية إعادة استخدام أناببيب النفط المتوفرة حاليًا في المنطقة، كما أن مصر ستُعزِّز قدراتها في الاكتفاء للسوق المحلي وتجاوز اضطرابات التسعير العالمية، بالإضافة لتمكينها من التصدير للأسواق الإقليمية وربما العالمية انسجامًا مع رؤية مصر كلاعب رئيسي في سوق الطاقة.
 
في الطرف الآخر فإن إسرائيل سوف تستفيد كثيرًا من إيرادات بيع الغاز من حقليها في المتوسط (البالغة 64 مليار متر مكعب في السنوات العشر) ولعل ذلك يعزز حضورها في أعمال الحفر واستخراج الغاز من البحر الأبيض المتوسط، وربما أن ذلك سيكون انطلاقة للقطاع الخاص الإسرائيلي في ممارسة أعماله بشكل تجاري مُجرَّد بعيدًا عن الصراع السياسي الذي يحيط بالعملية.
 
لكن وللموضوعية في تناول الطرح، فلا يمكن لنا أن نتجاهل الأبعاد السياسية لأيّ اتفاق تكون فيه إسرائيل طرفًا٬ فالحديث عن (الحل النهائي وصفقة القرن) للقضية الفلسطينية، والجدل الحاصل حول الإجراءات الأمنية في سيناء ، ومكانة دول الخليج العربي الاقتصادية والسياسية في مرحلة ما بعد غاز المتوسط ...الخ جميعها تطرح تساؤلات عميقة حول الأثر السياسي الاستراتيجي لاتفاقيات الحفر والتنقيب والاستيراد لمشتقات الطاقة في المنطقة.