المعتمد بن عباد في عيون الاسبان

 المعتمد بن عباد في عيون الاسبان
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي
في كتابها الجديد الطريف (2015) عن حياة المغفور له بإذن الله المعتمد بن عبّاد، ذكرت المستعربة الإسبانية الدكتورة بيلار ليرولا ديلغادو (وربما تكون من أصل عربي)، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة قادس الاسبانية حقائقُ حول حياتِه وأخبار عن مآسِيه. الكتاب بعنوان «المعتمد وبنو عبّاد» (1040 باجة البرتغال – 1095 أغمات المغرب)، وصدر بالأندلس عن مؤسّسةٍ للدّراسات العربية التي يوجد مقرّها في مدينة المرية الاسبانية.
 
تقول هذه المستعربة الإسبانية: «في الحقبة التي عرفت فيها الدولة الأموية في الاندلس انقساماً لا مثيل له، حيث تمّت تجزئة أوصال هذه الدولة وتحوّلت إلى دُويلات أو ما عُرف بممالك الطوائف، وباتت كل دولة / مملكة مستقلة عن الأخرى"  وتقول أيضا: (فان دولة بني عبّاد في إشبيلية انفردت وبزت سواها من سائر دول الاندلس العربية. وكان ثالث خلفاء هذه الدولة هو المعتمد بن عبّاد الذي تحوّل إلى ما يشبه الأسطورة، ليس فقط لاتّساع رقعة حكمه، انطلاقاً من منطقة الغرب: (غرب الاندلس/ البرتغال) حتى مدينة «مرسية» شرقا، بل لأنه حوّل بلاطه إلى ملتقى حافل للشّعراء والمثقفين والفنّانين الذين تولىَّ بعضُهم مناصبَ عليا في البلاط العبّادي، كما كان الخليفة المعتمد نفسه شاعراً مبدعاً، بالإضافة إلى كونه حاكماً وخليفة ومُحارباً مُحنّكا». هذا ما قالته المستعربة الاسبانية عن المعتمد وعن بني عباد.
 
كما صدرت عن المعتمد العديد من المؤلفات لكتاب اسبان اخرين أمثال: أنطونيو غالا، ورفائيل ألبيرتي وفرناندو كينيونيس، وكارلوس كانو، وإنريكي مورينتي، ولولي ومانويل وسواهم، الذين كتبوا عن هذا الخليفة أو غنّوا له وعليه. كما أن أحدهم وهو بلاس إنفانتي قام بزيارة لقبر المعتمد في أغمات (جنوب المغرب) وألّف عنه عملاً إبداعياً رائعاً. 
 
 وقد بلغ الشّعر أوجَه في بلاطات المعتمد وملوك الطوائف مبلغا تفوق فيه على شعراء المشرق العربي، وبخاصة في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي أي زمن المعتمد بن عباد رحمه الله.
 
توضّح المؤلفة الإسبانية (الدكتورة بيلار) أن السيف والقلم كانا عنصرين ملازمين للمعتمد بن عباد فهو شاعر الحب وفارس الحرب، فكما أنّه شيّد القلاعَ الدفاعية والحصون المنيعة للدفاع عن حمى بلاده وشعبه، فانه بالمقابل قد بنى دوراً وقصوراً خاصةً للشّعر والشّعراء والأدب والأدباء. في عصر كان مليئا بالقلاقل والاهوال رأى (المعتمد) فيها ابناءه يقتلون امامه خلال المعارك الحامية الوطيس.
 
 وتشير المؤلفة المذكورة إلى أن المعتمد عاش زهاء عقدين من الزمان باعتباره الرجل الأقوى في الاندلس، خاصة بين ملوك الطوائف.
 
وقدمت مستعربة إسبانية أخرى دراسة مستفيضة عن حياة المعتمد بن عباد واسمها (أورورا نافارّو) حيث تعرضت هذه الكاتبة لولع المعتمد بالجَمَال والشعر والحياة الهانئة المُترفة. ومنها قصائد غزله بالرميكية التي دمرت ملكه وملك العرب في الاندلس 
 
قامَت لِتَحجُبَ قُرصَ الشَمسِ قامَتُها        عَن ناظِري حُجِبَت عَن ناظِرِ الغيرِ
 
 عِلماً لَعَمرُكَ مِنها أَنَّها قَمَرٌ                 هَل تَحجُبُ الشَمسَ إِلّا صَفحَةُ القَمَرِ 
 
  كما تعرضت هذه المستشرقة ( اورورا )  لشخصيةٍ كان لها تأثير بليغ في حياة المعتمد بن عباد وهو الشاعر الاديب ابن عمّار (ذو الوزارتين أبو بكر بن عمار (422-477 هـ/1031-1085 م) شاعر وسياسي أندلسي، كان وزيرًا وسفيرًا للمعتمد بن عباد حاكم إشبيلية، ثم هجا  اعتماد  الرميكية واصفا إياها انها قليلة اصل ولا تساوي عقال بعير وليس لأولادها عم او خال يفتخرون به, وانها من قوم طبعهم اللؤم والخساسة  , وانها وابناءها قصار القامة ولا يتقنون الفروسية , فوصلت اخبار الجلسة والشعر الى الرميكية التي لم تكن تتسامح مع أي نقد يوجه اليها 
 
 اما ما قاله ابن عمار في تلك الجلسة (مخاطبا زوجها المعتمد بن عباد):
 
تخيرتها من بناتِ الهجينِ رميكيةً ما تساوي عقالاً
 
فجاءت بكلِّ قصيرِ العذار          لئيم النجادين عمَّاً وخالاً
 
قصارُ القـدودِ ولكنَّهم        أقاموا عليها قروناً طوالاً
 
سأهتك عرضك شيئاً فشيئـاً               وأكشف سترك حـالاً فحـالا
 
بعد ان عرف ابن عمار ان الابيات وصلت الى الرميكية خشي على نفسه من ترصّدها والإيقاع به وهي التي كانت تستخدم السحر في السيطرة على المعتمد. ويشير بعض المؤرّخين إلى أن هذا ما يفسّر سرّ تمرّده على المعتمد بن عبّاد، وذلك للنجاة بروحه في صراعه من اجل البقاء، وليس كرها برفيق عمره المعتمد وانما كرها بزوجته الرميكية التي أصبحت تسيطر على مقاليد الدولة.
 
وبذلك نجد برهانا على ان الرميكية التي دمرت المعتمد وعرش بني عباد انما هي غير معروفة الأصل، والاغلب عندنا انها غجرية (يسميهم الإسبان الخيتانوس/ خيتانو)
 
ونحن نميل الى انها بالأصل ليست عربية، او انها غجرية او على شاكلتها، وفي جميع الأحوال فهي لم تكن ابنة نعمة أصلا وفصلا بل كانت من سقط المتاع ضحك لها الحظ وربما مارست الشعوذة والسحر للسيطرة على قلب المعتمد، فأبكت العرب وكانت من عوامل اضمحلال ملكهم في الاندلس. 
 
وقد كانت الرّميكية معاصرة للشاعرة المعروفة ولاّدة بنت المستكفي صاحبة الشاعر ابن زيدون، التي كانت تجيد قرض الشعر كذلك، وتألقت فيه تألقاً كبيراً.
 
 
وكان توجيه النقد الى الرميكية يستوجب اشد العقوبة من الدولة والمعتمد بن عباد نفسه، بينما كان النقد ضد المعتمد واسرته وبني عباد يقابل بالتسامح والمرؤة العربية. لقد كانت امرأة لا تعرف التسامح والمرؤة ولا الشكر ولا الحمد ولا فضل بني عباد عليها.
 
ومن البراهين ما كان اعترى المعتمد بن عبّاد من حزن بليغ وغم شديد من ابيات الشعر أعلاه ضد زوجته الرميكية، قوله المشهور: (أما إنه لو تعرض (أي ابن عمار) لي لعفوت عنه بحق الأيام السالفة، ولكنه تطاول على أولادي وزوجتي). 
 
 وتحكي لنا كتب التاريخ أن الشاعر ابن اللبّانة (بفتح الباء وتشديدها) اللخمي (ظلَّ مخلصاً لابن عبَّاد حتى بعد سقوط دولته وأسرته، واستمرَّ بالتردد عليه لزيارته في سجنه بأغمات وقد كُنِّي بـ “ابن اللبَّانة" لأن والدته كانت تعمل ببيع اللبن).
 
دخل ابن اللبانة يسوق ابن عمّار إلى بلاط المعتمد ومجلسه في مظهر ذليل بالأغلال والقيود والمهانة، وبعد ان البسه السجان أسمالاً بالية كانت تستخدم لبائعي الحبوب في سوق الدواب من شعير وتبن، وعاتبه المعتمد وقرعه بشدة وعنف، وأمر بأن يُزجّ به في غياهب السجون التي كانت في قصره بإشبيلية وطال سجنه.
 
 وطفق ابن عمّار يكتب إلى المعتمد العديد من رسائل الاستعطاف والاسترحام طالباً الصّفحَ والمغفرةَ والعفو عند المقدرة ومن قوله في هذا المجال: 
 
سجاياك أن عافيت أندى وأسجح     وعذرك أن عاقبت أجلى وأوضحُ 
وإن كان بين الخطتيـن مزيـة        فأنت إلى الأدنى مـن الله تجنـحُ
ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهـم       فكـل إناءٍ بالـذي فيـه ينضـحُ
 
ولكن ذلك لم يشبع حقد الرميكية على ابن عمار الذي وصفها انها قليلة أصل وفصل، ولم تصفح عنه. وعندما وجد ابن عمار ان المعتمد يرفض الصفح عنه انتقاما للرميكية قال يذم المعتمد بن عباد وأبيه المعتضد من قبله:
 
مما يزهدني في أرض أندلـس أسـمـاء معتضـد فيها ومعتـمـد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
 
فما كان من المعتمد الا ودخل على ابن عمار ليلا وهو في سجنه بأكناف قصر المعتمد وقطعه بالفأس اربا، اربا انتقاما للرميكية قاتلها الله. 
 
وكما يقال ان النساء ولادات، كذلك التاريخ ولاد (بتشديد اللام) حيث تتكرر هذه الشخصيات النسائية السيئة عبر التاريخ من امرأة نوح وامرأة لوط والى الرميكية والى الامبراطورة الروسية ألكسندرا فيودو روفونا، عشيقة راسبوتين (مستشارها الشخصي المؤتمن على أسرارها، وكان يزورها في القصر في موعد أسبوعي محدد) وماري انطوانيت زوجة ملك فرنسا قبل الثورة الفرنسية، وإلى ليلى الطرابلسي في تونس وسوزان مبارك في مصر وغيرهما، والحبل على الجرار.